فهرس الكتاب
-إن مشهد النجاة من النار حقق إيمان فرد واحد فقط، إذ جاءت الأخبار أنه لَمّا أُلقي في النار قال:"اللَّهُمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدُكَ"، فلم يكن عند إلقائه في النار أحد معه، ثم حصل أن آمن له لوط (كما قال تعالى في سورة العنكبوت: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي (.
-وهي تفيد أن الكيد والأذى لاحق هذا المؤمن كما كان يلحق بإبراهيم (فإن الله تعالى جعل النجاة لهما في قوله: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا (.
-الرعاية الربانية، والقيمة في معيار القرآن إنما هو الإيمان، فإن الله تعالى ساقَ هذه الأخبار، وأقامها في الوجود مقام العبرة والاتعاظ والأسوة لا لكثرة العدد فيها، ولا لشيء من القيم المادية، إنما لأمر واحد فقط هو قيمة الإيمان، فقد ذهبت الجموع الكثيرة، وبادت الأقوام، ولم يبقَ لهم خبر بل كما قال تعالى لرسوله (: (فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (، فالذي بقي هو إبراهيم (وخبره، والحق الذي دعا إليه، ثم أقام من نسله الأنبياء، وقد ختم الوجود بنبي عظيم من نسله هو سيد بني آدم مُحَمَّد (، فالذين يلاحقون الجموع، وتسرقهم الأعداد دون اعتبار قيمة الإيمان، ودون النظر إلى معيار الإيمان في هذه الجموع إنما يجمعون هباءًا وزبدًا فارغًا، فتأمل قوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا (لتعلم أن الركب لا يكون بالعدد بل بما معه من الإيمان والحق. وإذ يسكت القرآن عن خبر الجموع التي خلفها ركب الإيمان المهاجر من إبراهيم ولوط سدد خطاكم فلأنها غثاء بشر، وجموع ضلالة، وحين تكون كذلك فهي عند الله لا شيء.
-والقرآن إذ يذكر لوط (قبل حدث الهجرة ثم يدخله لتعلم أن صفحة الإيمان التي لها شأن في عين الله تعالى لا تغلق، فإنه إن فاته مواقف فإن للإيمان مواقف أخرى لا تتوقف كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ (، وكقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (ووقائع الإيمان بفضل الله تعالى ورحمته لا تنتهي.
-والقرآن في كل مواطنه لا يذكر لنا موطن الخليل (ولكنه يذكر لنا موطن هجرته وهي: (الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (، وهي أرض الإسراء والمعراج كما قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ (، وسيأتي ذكرها عند خبر سليمان (.