فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 198

وذكر الهجرة إليها يدل على فضل هذه الهجرة وفضل الإقامة فيها على معنى البركة التي جعلها الله فيها، وهي بركة العبادة كقوله (:(( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِد: المَسْجِدِ الحَرَام وَمَسْجِدِي هَذَا وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى ) )أو بركة الجهاد، وقد ذكر هذا المعنى في تفسير سورة الإسراء.

-وجعلها مباركة «للعالمين» ينفي ما قصره بعض أهل التفسير البركة بما فيها من زروع وثمار، فإن هذه لم تكن للعالمين، بل الأراضي المحيطة بها سوى الجزيرة العربية لا تحتاج إلى ثمارها لاستغنائها بما فيها من الزروع والثمار، والصحيح أن البركة فيها بما كان فيها من نبوة وعلم وجهاد في سبيل الله تعالى، وهي الأرض التي أعطيت جزاءً لبني إسرائيل بعد خروجهم من أرض مصر إكرامًا لهم على صبرهم كما قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (.

فإن قيل: فإن الله تعالى أخبر في سورة المائدة أن موسى (دعا بني إسرائيل لدخول الأرض المقدسة فامتنعوا كما قال سبحانه عن قوله: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (، وفي الخبر القرآني أنهم امتنعوا فحرمت عليهم كما قال تعالى: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (، فما هي هذه الأرض؟

فالجواب: هذه التي حُرموا منها هي بيت المقدس، وهي التي الأرض المقدسة، فإنهم وإن دخلوا الأرض المباركة حول بيت المقدس إلا أن بيت المقدس ومدينته قد حرموا منها لما علمت من خبر سورة المائدة، ولذلك فقد فرق الله بين اللفظين، إذ جعل ما حولها مباركا، وأمّا هي فمقدسة.

وفي الآية أمر ينبغي العناية به، وهو لفظ: (وَنَجَّيْنَاهُ (، فإنه يدلك على ما تقدم من معنى النصر لمثل حال إبراهيم (، وهو أن نصره هو النجاة منهم، وهو من أعظم النصر الذي يناسب حاله وحال لوط (، والزنادقة في زماننا والجزم أنهم في كل زمان يسمون هذا هروبًا، ولو وقعت هجرة المصطفى (لاستهزأ بها الزنادقة أن يخرج نبي عظيم يعد أتباعه بكنوز كسرى وقيصر على الهيئة التي تمت، ولقالوا فيها الأقاويل، ولربما وقع استهزاؤهم في قلوب بعض الضعفاء من المسلمين، كما يقع اليوم من إنجاء الله عباده من الدعاة والمجاهدين حين يخرجون على وصف الكلمة القرآنية: (وَنَجَّيْنَاهُ (فتبدأ آلة الاستهزاء من أفواه الزنادقة بالقدح والتعيير، وهم يفعلون ذلك من غيظ قلوبهم، ولو وقع هذا الداعي أو المجاهد في أيدي أعدائه لشفيت قلوبهم السوداء الحاقدة، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت