فهرس الكتاب
فالإيمان ليس نسبًا يتوارثه الناس كما أراده الجاهلون، بل الإيمان اختيار وكرامة إلهية، فقد يختارها الولد دون الوالد كإبراهيم (، وقد يختارها الوالد دون الولد كنوح (، وإنه من جهالات المعاصرين أن يسوقوا أنفسهم تحت شعارات الأنساب؛ سواء الأنساب العائلية أو الحزبية، وكأن وجود نسب صالح لهم يعطيهم حق الإمامة بلا عمل، والله ? قال عن الأنبياء بعد أن ذكر الأنبياء والصالحين في سورة مريم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (وقال في سورة الحديد عن ذرية نوح وإبراهيم سدد خطاكم: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (. فالجدود والسابقون ليسوا ستارًا يتخفى وراءه بالباطل، وليسوا شعارًا لتسويق أهواء الخلف، ومن راقب هذا التلطي علم كثرة الجهالات في هذا المهيع. كما أن هذا يعلمنا أن لا يعير الناس بأبنائهم ولا بآبائهم فهذه هداية الله تعالى وعطاؤه، كما أنها حرمانه ومنعه، وليس للآباء ولا للأبناء فيها يد كما قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (.
ومن تأمّل انتقال النبوة من إسحاق (ونسله إلى إسماعيل (بعد زمن طويل، علم أن الفضل الإلهي يقع على وفق القاعدة القرآنية: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ (فقد سَرَت النبوة في إسحاق وابنه يعقوب سدد خطاكم ثم في أبناء يعقوب من الأسباط حتى كانت في موسى وهارون سدد خطاكم والكثير من أنبياء بني إسرائيل، ثم في داود وسليمان سدد خطاكم حتى كان زكريا ويحيى كان آخر الأنبياء قبل مُحَمَّد (وعيسى (، فليس بين عيسى ومُحَمَّد سدد خطاكم أنبياء كما قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ (والحديث يشهد لهذا، ثم كانت النبوة في العرب من نسل إسماعيل (؛ أي في مُحَمَّد (، وقد حسد اليهود العرب في هذا ورفضوا الدخول في ملته أنفة منهم، وهذه الخصلة اليهودية يقع فيها المتعصبون للأحزاب وللرجال في تاريخ الإسلام، وهي في عصرنا أجلى، فإن الله تعالى ينقل الفضل والبركة والعلم والجهاد في البلدان، كما ينقلها في الأقوام والجماعات، فأهل الدين والإيمان لا يمنعهم هذا الانتقال من الانضمام لراية الحق حيث كانت، وأمّا الحاسدون المتعصبون للأسماء دون الحقائق فتقف بهم جهالاتهم إلى التمسك بالشعار والاسم حتى مع فقدانه حقيقته، بل يأخذهم الحسد إلى سب هذا الجديد وتقبيحه، وتبدأ آلتهم بفرز التهم أن هؤلاء أدعياء، وأنهم خارجون عن القيم الثابتة والرموز المستقرة، وتبدأ تجارة الالتصاق بالأوائل والسابقين مع فراغ الأبناء هؤلاء من قيم آبائهم ورموزهم، لكنها الدعاوى لتسويق الذات على حساب الآخر.