فهرس الكتاب
والتاريخ يثبت أن هؤلاء تنتهي بهم الحياة إلى مجرد أرقامٍ أثرية لا حياة فيها، فإن الزمن يتجاوزهم، إذ الحياة لا تعترف إلا بالإرادة الحاضرة، والفعل القائم، والعلم المدافع، وأمّا الأسماء والشعارات فهي لا تقيمُ نصرًا ولا تقيمُ عملًا. وها هنا أمر؛ وهو أن هؤلاء المتاجرين برموز الماضي دون عمل يتقنون بناء المؤسسات لتسويق أنفسهم تحت ستار الشعار، فالدعوة تتحول إلى شركة استثمار، والعلم ينقلب إلى متجر تربح، وهم مع مقاصدهم في هذه المطالب إلا أنهم يريدون فوقها قيادة الناس وحبهم، وهذه التي لا تحصل لهم، إذ لا يقع في حبالهم إلا أعمش العقل فاقد النظر.
وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [1] (
هذا هو تفسير الصلاح الذي مدح الله به إسحاق ويعقوب سدد خطاكم، وهو قوام الإنسان الذي يحبه الله تعالى ويحقق مقصد الوجود في الأرض، وهي خصال داخل الإنسان في التفاعل مع الغيب والشهادة.
فالصلاح قوامه أن تتحقق الإمامة في المرء، وكل فهمٍ آخر يخرج هذا المعنى فهو شذوذٌ عن الفهم القرآني، وقد دخلت مفاهيم غريبة على معنى الصلاح في الشخصية الإسلامية بسبب غزو الآخر وخاصّةً الفهمَ الصوفي الهندي، إذ صار معناه الانسحاب من الحضور إلى الداخل، وكلما تحقق هذا عندهم صار الأقرب في معيارهم إلى الصلاح، والشخصية النبوية في كل تجلياتها لم تكن إلا حضور الحق ضد الباطل، وقذفٌ للنور ضد الظلمة، والقرآن مع ذكره للقوام الداخلي للشخصية النبوية من عبادة وإخبات إلا أن عمودها القائم فيها هو الإصلاح وهداية الآخر، ومصادمة الباطل وتقويض وجوده، ولذلك كان أول صفة تذكر لهؤلاء الوارثين للنبوة والصلاح هو: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا (.
وهؤلاء الثلاثة: إبراهيم وإسحاق ويعقوب - عليهم السلام - ذكر الله لهم صفة خصوصية مع النبوة كما قال عنهم في سورة: ص: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (، أي كان لهم قوة، ولم يذكر هذا عن الأنبياء السابقين قبلهم بل قال الله عن لوط (قوله لقومه: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (. ولذلك تحصل لهؤلاء الأنبياء - عليهم السلام - بداية تحقق إقامة بنيان مادي للدين، وذلك باعتزال طائفة الإيمان في تجمعات
(1) الأنبياء: 73