فهرس الكتاب
خاصة، كان يتحقق فيها ما قاله تعالى من القوة، ومن تأمّل قصة يوسف (علم هذا، وهو أن يعقوب (كان له وجودٌ منفصل، ولَمّا دخل إلى مصر بعد أن استقرّ الأمر لابنه يوسف (كان لهم سلطان وحكم، بل وفي القرآن إشارة إلى طاعة أهل مصر ليوسف (من جهة الإيمان والتوحيد كما قال تعالى في سورة غافر على لسان مؤمن آل فرعون: (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (، ولكن القرآن جعل هذا الدخول بسبب الجاه والملك كما قال أهل التفسير، وفي هذا دليل أن الملك كان في بني إسرائيل قبل موسى (كما قال الله تعالى على لسان موسى (في سورة المائدة: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (، وهذا قبل داوُد وسليمان سدد خطاكم، فالسلطان الإيماني إنما بدأ بهؤلاء الأنبياء - عليهم السلام -.
والإمامة في الدين لا تكون إلا بالمثال الذي يحقق أمر الله تعالى في شؤون الحياة، أما فراغ المرء منها فإن القائم بالتعبد لا يحقق معنى الإمامة، لأن الناس هم الناس لهم شؤون إنسانية، وخروج المرء منها يبعده عن صورة المثال لهم، ولذلك كانت الشخصية النبوية شخصية إنسانية في زواجها وأبوتها وبنوتها وبيعها وشرائها وصحتها وسقمها كما تعرض السورة هذا الأمر، ومع هذا فإنها تحقق العبودية التي يحبها الله تعالى، حينها تحصل بهم حقيقة الإمامة للناس جميعًا، ولما رفعت صور أخرى للصالحين في التاريخ الإسلامي ولم يكن لهم هذا القوم لم تحقق بهم الهداية للآخرين، وآل بالمحبين لهم جعلهم مجرد خيال يتغنى به لا مثالًا يقتدى به، ومن تأمّل خبر هذين النبيين إسحاق ويعقوب سدد خطاكم في القرآن لم يجد لهما إلا وجودًا اجتماعيًا، أي حضورهما في أبنائهم وعائلاتهم وخاصة يعقوب (، فإنه لا أخبار في القرآن قط على إسحاق (إلا ما يذكر عنه في سياق النبوة والمن على إبراهيم (بولادته والتبشير به ولذلك كان مدحهم كذلك بقوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (فهذه المكرمات تذكر في القرآن كخصلة تغلب على العالمين بعد استقرار سلطان الإيمان كقوله تعالى: (الَّذِينَ إن مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ (ولا يعني أنها ليست خصالًا للصالحين قبل التمكين والسلطان، إذ لا يقول هذا إلا ضال، لكن أن تذكر معالم صفات مستقرة فإنها تظهر بعد الأمن أجلى من قبله بسبب الخوف أو الانشغال بواجب الوقت عن النوافل.
ومما يشهد لهذا وهو استقرارهم على معنى الأمن والقوة ما قاله الله تعالى قبل عن الخليل (: (وَنَجَّيْنَاهُ (إذ تدل أن الله جعل له في الأرض المباركة مكان أمن كما قال الرجل الصالح لموسى (: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ