فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 198

الظَّالِمِينَ (. بهذا انتهى عرض القرآن لهذه الشخصية النبوية الجامعة تحقيقا لقوله تعالى في بداية السورة: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ? وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ? ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (. فهذا هو إبراهيم (فتى، له أبٌ على دين قومه، ينشأ بينهم، ثم يدعوهم إلى الله تعالى، ويجري معه من الأحداث التي تنتهي إلى نصره وهزيمة أعدائه.

وفي هذا المثال يعرض القرآن الشخصية النبوية في العلم والعمل، وفي الرأي والاختيار، وفي الإرادة والثبات، وفي الشجاعة واليقين، كما يعرض فيها مفهوم التوحيد على وجه صحيح، فهو في شقه الأول إقرارٌ داخلي وفي شقه الثاني مواجهةٌ للطاغوت معبودًا وعابدًا، في مجاليها في ميادين المناظرة وميادين المنازلة. ومن معالم هذا المثال هو بيان حقيقة رشد الرأي بحكم القرآن، ليتحقق التفكر في معيار الرشد عند المتأسين بملة إبراهيم (، فإن للأهواء مساراتٌ تتخلل الرأي، فيُستر الجبن بدعوى الحكمة، ويُستر حبُّ الدنيا بمصلحة الدعوة، كما يُقذف رشد الرأي الحكيم بوصف القرآن بأن الفاعل فتى لا تجربة له، ومُستعجل لا يعرف العواقب، وأن الفعل لم يزد الخصوم إلا ابتعادًا، لم يشعل الساحة إلا نارًا، فشتان بين حكم القرآن وحكم غيره، إذ لكل منهما معياره، فالقرآن معياره الدار الآخرة، ومعيار غيره آلام الطريق.

إضاءة: روى الإمام البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء من طريق سعيد بن المسيب عن أم شريك - رضي الله عنها - أن رسول الله (أمر بقتل الوزغ، وقال:(( كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ( ) )وقال النووي في رياض الصالحين"متفق عليه."فلينظر أين رواه مسلم، إذ لا أعلمه فيه. وهذا الحديث وما في معناه كما سيأتي يشكل على البعض فيضطر من لا يعرف وجهه أن ينفيه، لما يظهر لهم أنه يخالف العدل الإلهي، أو فهم السُنَن الإلهية في الوجود، إذ يقولون كيف يأمر الله بقتل كل وزغ في الوجود حتى قيام الساعة، وإنما وقع الفعل من الوزغ الذي حضر الحرق؟!

وقبل الجواب فإن في السُنّة أمثال هذا الحديث مما نفاه البعض كحديث: (( لَوْلاَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ، وَلَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلاَ حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ ) )لظنهم أن هذه الأحاديث على خلاف الوضع السُنَني أو لظنهم أنها تفيد سراية الإثم في الأبناء من الآباء مع قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (.

والحق أنه من نظر في الوضع الإلهي للوجود وسُنّة جريان أقدارها رأى أن الله ? يجعل لكل شيء بداية تتحقق بها السراية لهذا الوضع، فهذا الإنسان من ذرية آدم حصل وجوده في الأرض بفعل أبيه (، فلا يقال إن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت