فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 198

من وراثة الإثم كما تقول النصرانية، فإن الأمر القدري غير الأمر الشرعي في هذا الباب، وإذا وقع أمرٌ شرعي على جهة الوراثة كما سأبيّن بعد قليل فهذا لمعنى خاص في هذه السراية، فنزول الإنسان إلى الأرض وإن كان عاقبة لمعصية الأب إلا أن الإثم لم يلحق الابن وإن لحقه القضاء القَدَري، كما يلحق القضاء القَدَري بفعل الأب من الأمراض إلى الأبناء، فإن التشوّهات الخلقية التي تصل إلى ما يقال له الجينات تسري في الأبناء، والله ? ينوع البلاء والخلق في الوجود إظهارًا لقدرته وابتلاءً للخلق، ويكفر بذلك من لم يعرف معنى حكمة البلاء في الوجود.

فالأقدار لها بدايات، وللبدايات أصحابها، وهؤلاء الأصحاب تقع منهم على جهة فطرتهم في السلوك، وهذه الفطرة كما تكون فيهم تكون في الأبناء كذلك، فآدم قال الله عنه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (وقد سرت خصلة النسيان في أبناءه كما قال النبي (:(( فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ) )وهذا لإتحاد الفطرة في الأب والأبناء، وليس لسراية الإثم، فإن الآية: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (تتحدث عن الإثم، ومن راجع شرح العلماء لحديث احتجاج آدم وموسى سدد خطاكم علم هذا المعنى.

فالوضع القَدَريُّ في الوجود وإن كان أزليًا في العلم قديمًا في الكتابة والخلق إلا أن له بداياتٌ تقع على ما تقدم شرحه، وللسابق في الشرع فضل أو سوء، فإن كان ما بدأ به خيرًا في الشرع فله فضل السبق، وإن كان ما بدأبه شر في الشرع كان عليه إثم اللاحق كما قال رسول الله (:(( لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَ ) )وهذا لفتحه باب التعريف بهذا الشر إلا أن يتوب، فآدم (تاب الله عليه لَمّا أقرّ واعترف واستغفر فتابَ الله عليه فلم يلحقه ذنوب ذريته، بخلاف ابنه القاتل، فلحقه ذنوب المقتدين به.

فالطعام وإن كان له سُنّةٌ في الوجود إلا أن خنزه كان له بداية، وهو حبس بني اسرائيل له، وهم أول من فعل ذلك، فحصل لهم السبق في هذه الجناية الشنيعة، فالسراية لها بداية، ولا تتحقق إلا بوجود الوضع الإلهي فيها كما هو شأن ابن آدم في فطرة الله تعالى له في خلق أبيه، وهو نفس معنى قوله (:(( لَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا ) )، والخيانة هنا غير المتبادر منها، إذ المقصود غير ذلك، وهو قوله (:(( خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ ) ).

ومثل هذا قوله تعالى عن بني إسرائيل: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ (فإن المعترض على الحديث بما قال من قواعد سيعترض على الآية كذلك، إذ سيقال: ما بال أبنائهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت