فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 198

وليسوا أصحاب ذنب؟ فالجواب: أن هؤلاء القوم هذه فطرتهم، ولو حكم الله تعالى عليهم بفطرتهم لكان لهم حجة يوم القيامة بالسؤال: أين الدليل؟ كما سيسأل الإنسان لو لم يقع ما وقع لأبيه آدم (في السماء، والله ? يحب العذر، فلما وقع من آبائهم هذا الفعل، واضطرد سلوكهم فيهكان حجة للعقاب، وذلك لاضطراد نفس السلوك في الأبناء، وهذا الإضطراد ليس لوضع قدري فيهم، بل هو على قاعدة الحديث النبوي:(( فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) )فهذه خصال يتواصون بها، ويلقن الجد الابن، والابن الحفيد، حتى اضطردت في مجتمعاتهم واستقرت فيها على ما قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (، والخصال تسري في الأبناء بالتلقين والتربية والمصاحبة وهذا ما وقع لبني إسرائيل كما هو مشاهد، فإن ما قاله القرآن عن السابقين هو ما كان منهم زمن رسول الله (، وهو ما يقع منهم اليوم كذلك، فهي سراية الأخلاق والقيم بالتربية والتلقين والمصاحبة وهي التي توجب سريان الحكم.

فهذا الوزغ الذي سماه رسول الله (:(( الْفُوَيْسِقُ ) )، وقع منه ما وقع مع إبراهيم (لخصلة الفسق القَدَرية فيه، كخصلة الفسق في الفأر كما قال رسول الله (عنها، وعلل ذلك فعلها في الإيذاء، والوزغ إنما فعل ما فعل مع إبراهيم (لخصلته القَدَرية فيه، وهي في أصل الوضع الإلهي في كل وزغ، قبل النافخ على إبراهيم (وبعده، وإن كان بداية ظهور هذا الخلق وجودًا في حادثة النار، فأمر المسلم بقتله دفعًا لضرره وفسقه كما يقتل الفأر دفعًا لضرره وفسقه.

هذا وللبدايات في الشرع اعتبار، فإن أعمال الحج في الإسلام لها بدايات محبوبة عند الله كالسعي بين الصفا والمروة فإن أصل فعل هاجر في نشدها الماء للرضيع إسماعيل (، فإن إقامة الشرع على معنى البدايات يعطيها مراد الله فيها، إذ لو خلت من هذه البدايات ومعانيها لَما فهم الإنسان وجهها ولَما وقع فيها التفكّر المفضي للاعتبار والاقتداء. فقول الله تعالى بعد ذكر قصة ابني آدم وقتل قابيل هابيل قال ?: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا (فإن الناظر في السبب يدرك أن قتل واحد هو قتل للناس جميعًا، فإن البشرية كلها من آدم ثم من أبنائه، وكان قتل أحد أبنائه قتل لذريته لو عاش ولم يقتل، وبهذا تعلم فضل البدايات المحبوبة عند الله وقبح بدايات المعاصي، ولم التشدد فيها أكثر من مقلديها من بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت