فهرس الكتاب
ومن تأمّل سياق سورة المائدة، وذكر خبر ابني آدم (بعد قوله تعالى عن بني إسرائيل عقوبة لهم من ترك دخول الأرض المقدسة: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (وتفكّر كيف كان هذا التيه عقوبة سرت في الأبناء مع آبائهم، وفي الذرية بعد آبائهم فهملم القرن بينهما، فإن العقوبات القَدَرية تسري في الأبناء لزومًا كما تقدم سريان الأمراض في النسل بجرائم الآباء. أمّا العقوبات الشرعية فإنها تلحق إن وجد الفعل في الأبناء، وحين يعلق الله عقوبة شرعية على ذرية بسبب معاصي الآباء فإن هذا دليل على سريان هذا الفعل في الأبناء بالتربية والتلقين والمصاحبة.
وأمّا قوله (في حديث الإسراء لما عرض عليه اللبن والخمر:(( فَأَخَذْت اللَّبَن قَالَ هَذِهِ الْفِطْرَة أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتك ) )أو: (( هُدِيتَ الفِطْرَةَ، أَوْ أَصَبْتَ الفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ ) )فهذا لأمرين، أولاهما أن النبي قائد ورائد أمته، واختيار الرائد اختيار من بعده، فكان اختيار رسول الله (اللبن هو اختيار تابعيه من بعده لاختياره، والثاني: أن الأمم لها خصال تنشأ فيها بالقيم، والقيم تحصل فيهم بقادتهم وكبرائهم، كما يحصل بعضها بالبيئة والظرف الوجودي، وكل نبيٍّ من أُمّته ومن قومه، وكان اختيار النبي (للبن لمعنى في خلقة أُمّته والذي هو فيها، فاختياره هو اختيار خصال وقيم في هذه الأمة، فالأمر الأول مدحٌ للنبي (سرى في أُمّته، وفي الأمر الثاني مدحٌ للأُمَّة التي اختار الله منها سيد الخلق وخاتم الرسل، والحمد لله رب العالمين.
فالخاتمة أن يقال: إن في الخلق فطرًا يكون لها بدايات ظهور، ولهذا الظهور رواد، ويكون في ظهورها معنى يحقق العبرة للفعل في المقتدي، فأمر الرسول (بقتل الوزغ كان لفسقه كما يقتل الفأر لفسقه والحية لأذاها، ولما كانت البداية لهذا الفسق فيها عبرة للمؤمن وهو أنها نفخت على نار الخليل (حرض على قتلها بذلك كما يحرض الإنسان على معصية الشيطان بقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا (وكقوله تعالى عنه: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (.
قوله تعالى: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ ? وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [1] (
(1) الأنبياء: 74 - 75