فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 198

هُودٌ (وذكر لوط (وقال عن قومه: (أَخُوهُمْ لُوطٌ (، لكن لما ذكر قوم شعيب قال: (كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ المُرْسَلِينَ ? إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ (ولم يذكر في هذا الموطن أخوّة، مع أنه أخوهم كما قال سبحانه في العنكبوت: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا (وأصحاب الأيكة - وهو الشجر الكثيف الملتف - هم أهل مدين، لكن كما قال ابن كثير - رحمه الله:"لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة"قطع نسب الأخوّة بينهم، وذلك للمعنى الذي نسبوا إليه، فالقرآن يثبت الأخوة لمعنى وينفيها لمعنى، فمن احتج بالقرآن على قوله فليفعله على طريقة القرآن وليتركه كذلك على طريقته.

فأن يقول أحدٌ عن عشيرته وقومه: هؤلاء إخوتي لنسبه منهم، فهذا لا يرده أحد، ولا يعترضه معترض، لأنه الحقيقة، لكن إذا قال: النصارى إخواني، واليهود إخوتي، والملاحدة إخوتي، فأيُّ نسبٍ بينهم حين ينسبون إلى هذه الأديان؟ فمثل هذا لم يتأدّب بأدب القرآن، ولم يعرف متى يثبت ومتى ينفي كما هي طريقة القرآن، ولكن أمثال هؤلاء يأخذون من القرآن ما يفهمون على جهة التشهي لا الاقتداء، بل إن بعضهم يعتقد الاعتقاد ويفعل الفعل ثم يحمل القرآن على اعتقاده وفعله.

وقوله تعالى: (آَتَيْنَاهُ حُكْمًا (عند بعض أهل التفسير أنه فصل القضاء في الخصومات، والقرآن يطلق الحكم في مواطن تحتاج إلى إبانة منها قوله عن يحيى (: (وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًَّا (فإن أهل التفسير يقولون إن الحكم هنا هو الفهم لكتاب الله، وعن بني إسرائيل قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ (والحكم هنا عندهم بمعنى الملك والسلطان، والحكم في اللغة لا يقع إلا على معنى القوة، كما فيه معنى الظهور، فقصر معنى الحكم في آية مريم عن عيسى (: (وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًَّا (أنه الفهم، فيه سلبٌ لخصوصية لفظ الحكم، وعيسى (كان له سلطانٌ في صباه بل وهو في المهد حين تكلم فيه، فأسر سامعيه وشدّهم إليه، وهذا سلطانٌ وقوة، كما أنه قد كِيدَ له ليقتل من أعدائه من بني إسرائيل فمنع منهم بموانع، كانت هي القوة التي أوتيها. وأمّا تفسير الحكم الذي آتاه الله للوط (بالقضاء في الخصومات فلا أدري وجهه الذي أخذ منه هذا المعنى، فلا أعلم في الكتاب والسنة والأخبار ما يشهد له، ولوط (لَمّا نزل العذاب على قومه لم ينج إلا هو وأهله إلا امرأته، وقد شكى أنه لا وجود لقوة له في قومه: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (، فالله أعلم ما معناها هنا، وهي لما شغلتني كثيرا عند قراءتي للقرآن فلم أهتد إلى شيء يطمئن له القلب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت