فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 198

واعلَم أن القرآن لا يعدل عن لفظٍ إلى لفظ إلا لمعنى في الأمر، فإنه كتاب الله وكلامه الذي لا يخلق من كثرة الرد.

وقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ (، ومعلوم ما هي الخبائث، وقد ذكرت في تفسير سورة العنكبوت [1] ما هي الأوصاف القرآنية لهذه الفعلة الشنيعة، بل لا يوجد في القرآن عمل قذر وصف بهذه الأوصاف كما وصف عمل هذه القرية. والله يعدد منّه على لوط بأمرين؛ أمر علمي وعملي، فقد آتاه الله علما وحكما، ومنّ عليه بالخروج من قرية السوء والخبث، وهجران ديار السوء عمل الأنبياء، وقد حضّت عليه الشريعة، وهذه القرية قد دمرها الله بقوله: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (، فكان لهم عقوبتان الخسف والرجم، وهذا القلب يعادل ما وقع منهم من قلب فطرة الله تعالى في فعلتهم الخبيثة، وأما الرجم فهو عقوبة الله على إتيان المحرم، فهو فعل زائد عن الزنا، فحصل له عقوبة الزنا وزيادة.

وقوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (، فهذان وصفان لهم السوء والفسق، والسوء صفة الفعل في مضادته للفطرة، والفسق حكم الشرع في مخالفته للحكم الإلهي، فهو قبح من جهتين. ووراث قوم لوط وفعلتهم الشنيعة قد كثروا هذه الأيام، وقد شرّع فيما بينهم كما شرّعه قوم لوط وجعلوه حقًا لهم، بل وزادوا إجرامًا كما فعل أسلافهم بأن سبوا وعاقبوا من قبحه وسبه، وهكذا تبدأ المعاصي مستترة، ثم يستفزهم الشيطان لإعلانها ثم يجعلوها حسنةً في دينهم، وهذا هو سبيل كل المعاصي.

وهذه الآية تبيّن أن لوط (صار له هجرتان؛ هجرةٌ مع إبراهيم (وهجرةٌ من قرية السوء، وذلك لتعلم أن عمل الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله تعالى هو عمل الحياة الذي لا ينقطع، وأن المؤمن لا يخرج من أرض ظلم فيها إلى أرض يسكت عن معاصي أهلها كما يفعل بعض المهاجرين، فإنه إن استقبله قومٌ بعد ظلم أهله له شعر أن لهم منّةٌ عليه فسكت وداهن، وصار يبرر لهم ما لم يكن يبرر لقومه الذين كان فيهم، وهذا من فقدان معنى الهجرة الشرعية، فإن المهاجر لن يحقق أمر الله في كل مكان يحلّ فيه، وليس منّة الناس عليه بمانعة له من إبلاغ الشرع وتحقيق حكم الله تعالى.

(1) تفسير سورة العنكبوت، عُمَر بن محمود: تفسير سورة العنكبوت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت