فهرس الكتاب
وهجرة لوط الأولى كانت لسببٍ اعتقادي، وهو شرك قومه وكفره، لكن الهجرة الثانية كانت لمعصيةٍ خلقية، إذ لم يذكر في القرآن قط كما ذكر في موطن آخر أن لوط (دعا قومه للتوحيد كما دعاهم كل الأنبياء، وكأن قومه كانوا عليه إلا أنهم على هذه المعصية الخبيثة، فكانت النبوة فيه والرسالة له أن يدعوهم لهجر هذه المعصية الخلقية الخبيثة، فانظر اليوم إلى المعاصي المستقرة بين المسلمين، وقد شرّعت هذه المعاصي كما شرّع قوم لوط فعلتهم، فهذا الربا وشرب الخمر، وأعظم من ذلك كله وأمثالهما هو التشريع على خلاف الكتاب والسُنّة وهو ناقض للتوحيد من أصله كما هو حكم القرآن وإجماع أهل الملة، وهي أفعال كانت في الأُمم السابقة يرسل من أجلها الرسل، فإن موسى (وأخاه هارون كانت رسالتهم لإخراج بني إسرائيل من حكم الطاغية فرعون، وهو أمر لا يختلف كثيرًا عن واقع المسلمين اليوم.
وقوله تعالى: (وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (، طلب دخول الرحمة سؤال الأنبياء - عليهم السلام - لربهم كما قال موسى (: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (والله يقول: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (؛ فالرحمة الإلهية بهذه الآية على وجهين؛ رحمةٌ شاملةٌ لكل الخلق، ومن ذلك ما جعله الله في قلوب الخلق من رحمة فيما بينهم كرحمة الأم على ولدها، ورحمة العفو على الجاني، ورحمة المعطي على المحتاج، ورحمة الإنسان على الدواب، ومنها ما أقامه الله من أمور للخلق رحمة بهم كتيسيره للخلق دفع الضرر ودفع الحر والجوع والعطش، فهذه رحمات لعموم الخلق، وهناك رحمة خاصة لمن أتى بشرطها كما ورد في هذه الاية من سورة الأعراف، ومن هذه الرحمة قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاة طَيِّبَة (وأعظم ما يؤتى هؤلاء من رحمة هو رضى الله تعالى ودخول الجنان.
ولوط (أدخله الله تعالى في الرحمة الخاصة بأن حقق له الهداية مع إبراهيم (، ورحمه مع أهله إلا امرأته بأن نجاه من القرية لما نزل العذاب، وعلل هذا بقوله ?: (إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (، وفي الآيات السابقة رأيت خصالهم.
قوله تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ? وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [1] (
(1) الأنبياء: 76 - 77