فهرس الكتاب
وهذا عرضٌ آخر لنبيٍّ نصره الله تعالى كما نصر إبراهيم (ولوط، والقرآن هنا في ذكر لوط ونوح سدد خطاكم إنما يريد بيان سُنّة الله تعالى في نصر الأنبياء في خاتمة ما يقع بينهم وبين أعدائهم، فهو ليس عرضًا لجانب آخر من جوانب الشخصية النبوية المهتدية، بل بيان تأكيد لما وقع مع إبراهيم (من النصر الإلهي، وهذه طريقة قرآنية يسميها البعض بالاستطراد، ولذلك لاتجد هنا عرضا موسعًا لشخصية النبي ولا لأقواله ولا لسيرته مع قومه، بل هو عرضٌ لحالةٍ واحدة وهي ذكر العاقبة التي أخبر الله وقوعها لهؤلاء الأنبياء، ولكن في هذا العرض تنوع واقع النصر لهؤلاء الأنبياء، فإبراهيم (نجاه الله من بين قومه على الصورة التي تقدم ذكرها من آية النجاة من النار، ولم يذكر القرآن في أي موطن آخر ما حلَّ بقومه من بعده، فكان نصره نجاته من بين أيديهم، وأمّا لوط (فكان خروجه من القرية التي دُمِّرَت من بعده على نحوٍ لم يبقَ فيها أحد وباستئصالٍ شاملٍ لهم، وأمّا نوح (فبالسفينة التي بناها بأمر الله تعالى.
ومع نوح (ذكر الله دعاءه على قومه وذلك في قوله تعالى: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى (، وقد ذكر هذا النداء في قوله تعالى في سورة القمر: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (وفي سورة الشعراء: (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ? فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (وفي سورة نوح: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ? إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (وفي المؤمنون قال الله على لسانه: (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (.
والقرآن مع نوح (يذكر أمورًا قبل الإهلاك تحتاج إلى ترتيب، ففي هود قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ? وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (فهي تفيد أن الله تعالى قد أعلمه بالختم على قلوبهم فلن يؤمن معه آخر غير من آمن.
وفي سورة نوح قال تعالى على لسانه: (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (فكان معنى ما تَقَدَّم في سورة هود وهو قول نوح (هنا بأنه لن يؤمن منهم أحد، وفيها زيادة وهو أن لا يكون مؤمن كذلك من ذريتهم. وما تَقَدَّم من دعائه عليهم وقول الله تعالى هنا في الأنبياء: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْل فَاسْتَجَبْنَا لَهُ (، فهل الإهلاك كان للدعاء كما تفيد هذه الآية، أم لَمّا أخبره الله تعالى كما في سورة هود من عدم إيمان آخر منهم؟