فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 198

فأمّا قول نوح (: (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (فهو لما رأى مع طول حياته بينهم تتابع هذا الأمر فحكم عليهم بالاستقراء، فكان مع نوح خبر الله بعدم إيمان أحدٍ من قومه، وكان معه الاستقراء في الحكم على الذرية. وأمّا هل حصل الإهلاك بالدعاء أم لعدم إيمان مرجو منهم؟ فالجواب أن واقع نوح (وصبره المدة التي قال الله فيها: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا (تدل على أنه لم يدع عليهم إلا بعد أن أخبره الله بانتهاء الرجاء منهم، وكان في دعائهأمر زائد هو ما ذكر في هذه الآية وفي سورة الشعراء بقوله: (وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (، فإن قيل ما فائدة الدعاء وقد علم أن الفعل سيقع؟ فالجواب: هذه سيرة الأنبياء مع ربهم، فإن مُحَمَّدًا (وعده الله بقوله: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ (ومع هذا فقد قام بالدعاء والإستغاثة في العريش يوم بدر، ولم يكن الوعد مانعًا من الدعاء، فإن الوعد الإلهي لا يُسقط أسبابه، بل المؤمن المهتدي هو الذي وإن علم الوعد سارعَ إلى تحقيق أسبابه، ومن أسباب تحقق الوعد الدعاء، وقد شرح هذا بأطول في موطن آخر، فإن الله يعد على شرط، فيخاف المؤمن أن يتخلف الوعد بتخلف شرطه كما وقع مع نوح (من عدم نجاة ابنه مع وعد الله تعالى بنجاة أهله معه، فقال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ (. والقصد أن إخبار الله تعالى نوحًا (بإهلاك قومه ونجاة المؤمنين معه لا يمنع من الدعاء، لأن الدعاء هو شرطٌ من شروط الوعد، ومن الجهل القول: إن الدعاء هو للمعنى التعبّدي ولا دخلَ له في السبب، فإن قائل هذا جاهلٌ بمعنى الدعاء، وأنه سببٌ شرعيّ وقَدَريّ لتحقيق الفعل.

وقوله تعالى: (فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ (وقد علمت أن ابنه ليس من أهل، وهذه تستطيع إلحاقها بما تقدم من شرح معنى الأخوّة التي تثبت على وجه وتُنفى من وجه، فهذا ابنه النسبي لم يكن من أهله لما حصلت النجاة، لأن النجاة شرطها الإيمان، فانتفى معنى الأهل هنا، ولو سئل نوح (عن هذا الهالك لقال: هو ابني، فهذا نفي من وجه وإثباث من غيره كما تقدم لك سابقًا. والقرآن لم يستثنِ زوجة نوح (من النجاة وهو التي قال عنها: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (، وهذا له وجهٌ واحد، وهو أن زوجته هذه لم تحضر الطوفان، بل ربما هلكت قبله فكانت له أخرى مؤمنة نجت معه.

وقوله تعالى: (الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (هو الطوفان، كما قال تعالى في الشعراء: (فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ? ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (وكما في هود: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت