فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 198

اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (، وهذه الآية هي التي فات نوح (النظر إلى الاستثناء فيها بقوله: (وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ (.

وتسمية القرآن الطوفان والغرق بـ «الكَرب العظيم» دليل على الهول الذي لحق بالغارقين، فقد وصف الله الماء بقوله: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ (ومشهد هذا مرعب قبل الغرق والوفاة. وكانت نجاته بالسفينة التي صنعت من الخشب والمسامير كما قال تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (، والطوفان حصل بماء من السماء وبماء منفجر من الأرض كما قال تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ? وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (. وصناعة السفينة التي تمّت بأمر الله تعالى في قوله: (وَاصْنَعْ الْفُلْك (يدلُّ على مشروعية اتقاء أقدار الله تعالى ودفعها بالمشروع من العمل، فإن الطوفان وهو أمرٌ قَدَري قد اتقاه نوح (ومن معه من المؤمنين بصناعة السفينة، وهذا الانتصار هو الذي وقع لرسول الله (حين دفع إيذاء قريش بالهجرة، وكانت الهجرة بالخفاء وأخذ السُنَن القَدَرية الدافعة لكيد قريش.

فهذه نماذج للنجاة والنصر، فقد نجا إبراهيم (بأمرٍ معجز وهو قلب إحراق النار وحرارتها بردًا وسلامًا عليه، وكانت نجاة لوط (بأمره بالخروج من القرية قبل حلول العذاب عليها، وأمّا نوح (فقد نجا بصناعة السفينة والركوب فيها، ومن تأمل المعجزات مع الأنبياء ومع نبينا مُحَمَّد (جميعًا علم أنها لم تكن تقع إلا على وجه الحاجة والاضطرار فلو وسع إبراهيم (الهروب من النار لكان هذا الواجب عليه، فلما كان النار اضطرارًا وقعت المعجزة، وهذا ما وقع للوط (إذ كان بوسعه الخروج من القرية فخرج، فالمعجزات والكرامات تقع على هذا المعنى وليس على معنى النافلة وحالة الوسع.

وقوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (، ووصف القرآن لهم بالسوء لكفرهم ولقولهم لنوح (: (لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (، وما كان يقع منهم من المكر كما قال تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (. والقرآن يصف نجاته وهلاك قومه بالطوفان نصرًا كما في قوله هنا: (وَنَصَرْنَاهُ مِنْ الْقَوْم (مما يدلُّ على أنهم أرادوا به الكيد العظيم وهو رجمه بالحجارة فلم يقع لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت