فهرس الكتاب
قوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ? فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ? وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ ? وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ? وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [1]
هذان نمودجان للشخصية النبوية المحبوبة عند الله، والتي يتحقق بها الأسوة والاقتداء في الوجود الإنساني للمهتدين، وفي هاتين الشخصيتين غنى باذخ في الجمع بين سلطان الحكم وإمامة الدين، كما فيها إرشاد إلى تفاوت الفقه والفهم، وتعليم بأن القضاء والحكم إجراء إنساني يمكن للمرء فيه أن يصيب أو يخطئ بخلاف الحكم الشرعي وثباته وأنه مرتبة واحدة، وهو حق كله، وهاتان الشخصيتان النبويتان العظيمتان تعرضان من الداخل، فلا وجود للآخر معهما في هذا الموطن بخلاف ما تقدم من النمودج الإبراهيمي الرشيد وعدم وجود الآخر هنا ليس لغيابه من حياة هذين النبيين سدد خطاكم، فقد كان بداية ظهور داود (هوقتله جالوت كما قصّت بذلك سورة البقرة، وقد ذكر سليمان (مجاهدًا في سورة النمل، لكن هذا الموطن مقصوده هو عرض جانبٍ إنسانيٍّ بشري كما تَقَدَّمت بذلك السورة، وحضور نبيين في زمنٍ واحد كان لأسبابٍ متعددة، كان أوضحها هو حاجة النبي للمُعين كما في اجتماع موسى وهارون سدد خطاكم، وهو إرشاد إلى ثقل هذا الحمل، وعظمة هذه المهمة، وها هنا يعرض القرآن حاجة النبي الملك وهو داوُد (إلى تنبيه ابنه سليمان (إلى جانب الحق الذي فاته.
وهذا العرض يبين أن النبي في إجرائه مهمة القضاء والفصل هو إنسان رشيد موفق، وهو مع هذا فإنه إنسان يعرض له ما يعرض للإنسان من النسيان كما قال النبي (:(( أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ) )، وأنت تعلم أن أعظم ما ضمنه الله لرسوله (في القرآن أمران أولهما قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ? إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ? فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ? ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (وقوله تعالى: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (، ومع ذلك كان يعرض لرسول الله (النسيان في الصلاة وهو يقرأ القرآن وفي الحديث أن النبي (سمع رجلًا يقرأ في المسجد فقال:(( يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورِةْ كَذَا ) )وفي رواية: (( كُنْتُ أُنْسِيتُهَا ) )، وقد حضّ الصحابيَّ الجليل أُبيّ بن كعب أن يفتح عليه وقال: أنسيت آية كذا، وهذا كله بيان لإنسانية وبشرية
(1) الأنبياء: 78 - 82