فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 198

الرسول وأنه يعرض له ما يعرض للبشر، وأما الأمر الثاني فهو قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (، وقد علمت أن رسول الله (قد سُمَّ من اليهودية، وما زال يجد أثر السم في جسمه حتى مات، وعلة ذلك هو ما تقدم لك، فالوعد الإلهي للأنبياء - عليهم السلام - وللمهتدين لا يعني خروجهم من عالم السُنَن التي أودعها الله في البشر.

وفي بيان بشرية الرسول (في القضاء وأنه يعرض له وهو الرشيد الموفق ما يعرض للبشر قوله (:(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَاخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ) )، وكفى بهذه القصة القرآنية دليلًا هاديًا، ولذلك القول بعصمة أحدٍ من البشر من النسيان أو الخطأ قول غير صحيح، وبهذا تعلم معنى تطبيق الشريعة في الحكم، فإن القاضي والحاكم لا يقضي ويحكم إلا بكتاب الله وسُنّة رسول الله (، وهذان معصومان، وقد يعرض الخطأ على القاضي والحاكم من جهة إجراء الحكم، فإن أخطأ فخطؤه لا يعود على الكتاب والسُنّة ولكن يعود على نظره وفهمه وإجراءاته، فالقاتل عليه القصاص، لكن قد يفلت القاتل لضعف الحجة والدليل، وقد يعجز المدعي عن إثباث حقه فيفوته، ولذلك أجمعَ أهل العلم للحديث السابق:(( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) )أن حكم القاضي لا ينفذ إلا في الظاهر ولا ينفذ في الباطن، فإن حكمه لا يُحِلُّ حرامًا، ولا يُحَرِّمُ حلالًا.

ومن علم هذا تَيَقّن دجل زنادقة هذا العصر من اتهامهم الدعاة إلى الله تعالى الساعين لإقامة حكم الله في الأرض أنهم بهذه الدعوة إن وصلوا إلى الحكم جعلوا لأنفسهم العصمة ومنعوا الرد عليهم، وجعلوا الرادين على أقضيتهم وأحكامهم واختياراتهم ردًا على الله وعلى رسوله (؛ أي الكفر بالله تعالى، وواقع الأمر أن الحكم الجاهلي هو الذي يفعل هذا في بلاد المسلمين، فإن الرادَّ على هؤلاء الطواغيت مصيره القتل أو السجن، بل وسب هؤلاء الطواغيت أشد جرمًا في أحكامهم من ساب الله ورسوله، وأمّا في دين الله تعالى فإن أساس الحكم في مقالة الصديق ? لما بويع بالخلافة فقال:"أيها الناس إنما أنا متبع وليس بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني"فهكذا كان وكان من بعده من الخلفاء الراشدين ومن اقتدى بهم، ولم يقل أحد إن الراد على القاضي أو الحاكم إن أخطئا أنه راد على الله وعلى رسوله فهو كافر، لكن هؤلاء الزنادقة من العَلمانيين يكذبون ويرمون غيرهم بما يفعله طواغيتهم وأسيادهم.

وقوله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ (، هذان النبيان من أنبياء بني إسرائيل، وقد كان أول أمر داوُد الأب (في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت