فهرس الكتاب
اللَّهِ (، وهذا يدلُّ على افتراق الملك عن النبوة في بني اسرائيل في هذا الزمن، ثم كان ما كان من تأمير طالوت ?، وفي وسط المعركة قتل داود جالوت كما قال تعالى: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ (، وداوُد قد وصفه رسول الله (بالشجاعة، إذ لم يفر من أمام خصم له قط كما قال رسول الله (عنه:(( وَلَا يَفِرُّ إِذَا لاقَى ) )، ثم حصل له بعد ذلك الملك والنبوة، فاجتمعت فيه بعد افتراق كما قال تعالى: (وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ (، وها أنت ترى أن مبعث النبوة لداوُد (هو ميدان الجهاد، وهو الملائم لحال بني إسرائيل في ذلك الوقت، إذ الآيات هذه في سورة البقرة تدلُّ على أن بني إسرائيل سرى عليهم الظلم، وقد استضعفوا كما قال تعالى عنهم: (وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا (فكان ما يحتاجه بنو اسرائيل في هذا الزمن هو الإمام المجاهد، وقد كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كما جاء في الحديث، ومن تأمّل حال المسلمين علم أن الحال هو الحال، وأن ما تحتاجه الأُمَّة اليوم هو ما طلبه بنو إسرائيل يومها ومع ذلك تجد في الأُمَّة من يمنع هذا باسم الدين ومصلحة الشرع، وأجهلهم من يزعم أن هذا مخالف لهدي النبي (.
وقد ذكر خبر داود (في سور أخرى غير هذين الموطنين؛ البقرة والأنبياء، فقد جاء خبره في سورة ص، وفي سورة سبأ، وقد مدح رسول الله (عبادته وصومه، وجعلَ صيامه خير الصيام، وتقسيمه الليل خير القيام وذلك في قوله (:(( أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ(، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ) ). وهذا مع ملكه وفصله بين الناس في القضاء كما جاء هنا وفي سورة ص، ثم مع جهاده في سبيل الله تعالى، ولذلك فعرض مشهده تعليم للنبي (لحال سيعيشه بعد، وسيكون فيها حاكمًا وإمام مجاهدين.
وأمّا سليمان (فهو ابنه، وقد ورث الملك عن أبيه داوُد كما قال تعالى في سورة النمل: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ (وهذا في الملك، فإن النبوة لا تورث. فإن قيل كيف ورثه والنبي (يقول:(( لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ ) )فالجواب أن الملك منصب، وهو الذي ورثه لاستحقاقه له في قوله الذي تقدم عن خبر الإرث بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (وأمّا ما كان لداوُد (من ملك خاص فهذا لا يورث كما في الحديث وإنما هو صدقةٌ من بعده، ولفظ الإرث هنا ليس هو الإرث بمعناه الاصطلاحي في الفقه، فقد ورد الإرث بمعنى الاستخلاف كقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (وكقوله تعالى عما تركه فرعون وقومه: (كَذَ الِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (.