فهرس الكتاب
ومعرفة حالهما في سورةٍ أخرى أغنت عن بيانها هنا إذ أن قوله تعالى هنا في الأنبياء: (يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ (لا يفهم إلا بمعرفة ما كان عليه من الملك، وسليمان (أوتي العلم والفضل في حياة أبيه داوُد (كما تدل هذه السورة ومن قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (.
وقوله تعالى: (إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الحَرْثِ (دليل أنهما كان يجلسان مجلس القضاء معا، وهذا دليلٌ على القاضي أن يستعين بغيره في القضاء والاستماع وإحقاق الحق، وأن النوازل العظيمة يستحب لها ذلك. وخبر الحرث هذا جاء تفصيله في كتب التفسير فليرجع إليه، إذ المقصود هنا ليس نفس الخبر وإنما بيان ما تَقَدَّم من ذكره من تفاضل العطاء الإلهي في الفهم مع اجتماع الحكم والعلم، وهذا دليل على حديث النبي (:(( إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ, كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ، قَبِلَتْ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ، وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتْ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنْهَا، وَسَقَوْا، وَرَعَوْا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنْهَا أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ، لَا تُمْسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَاسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ ) )وقوله (:(( نَضّرَ الله امْرَأً سَمِعَ مِنّا شَيْئًا فَبَلّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبّ مُبَلّغِ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ) ).
وداوُد (من أهل العلم والفهم، والحكمة والفقه، فهو النبيُّ العظيم، ولكن أراد الله تعالى بيان أمر العبادة، وهو أن العظيم في علمه وفقهه وفهمه قد يفوته أمرٌ يدركه من هو أدنى منه، وقد يذهب عنه ما يدركه الصغير، وها هو ابن عُمَر - رضي الله عنهما -، وليس هو بمرتبة أبي بكر وعُمَر - رضي الله عنهما - يدرك ما لَم يدركوه، فقد قال: كنا عند رسول الله (فقال: أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، لَا يَتَحَاتُّ وَرَقُهَا، وَلَا، وَلَا، وَلَا، تُؤْتِي أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ، فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (: هِيَ النَّخْلَةُ.
وقوله تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (ذلك لأن داوُد (كان فيه خصلتان قلما تجتمعان؛ وهما السرعة والإتقان، فأمّا السرعة فقد خفف عليه الزبور، فقد قال رسول الله (: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ (الْقُرْآنُ فَكَانَ يَامُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ؛ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَاَبِّه. وأمّا الإتقان فقد قال رسول الله (لأبي موسى الأشعري: لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُدَ.