فهرس الكتاب
فالله ? ذكر هنا ترجيع الجبال والطير تسبيح داوُد (، وهذا دليل على أن داوُد (كان يفهم لغة الطير والجبال، وقد سبق ابنه في هذا، والآية في سورة النمل تدل على هذا في قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (. وهذا التخصيص بذكر عبادة هذا النبي الملك يعلم أهل القرآن صورة الحاكم المحبوب عند الله تعالى، وهو أن له شأنًا في القضاء والحكم، وله شأنٌ في العبادة والإخبات، فإن الفصل النكر بينهما ليس سبيل المهتدين، حين يحتج الحاكم والقاضي والمجاهد بانشغاله عن العبادة والنُسك، أو حين يعتزل الناسك العابد الحياة وواجباتها بحجة التفرّغ للعبادة، فهذا خلاف صورة الهداية الحقيقية المحبوبة عند الله تعالى، وهي التي تعرض من خلال هذا النموذج النبوي العظيم.
وقوله تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (، في هذه الآية ذكر خصلتين لداوُد (؛ أولاهما هو صناعة آلة الجهاد، وهي تفيد أنه مع ملكه وسلطانه إلا أنه كان يأكل من كسب يده كما جاء في الحديث، وقد جاء في سورة سبأ بيان إتقانه هذ الصنعة العظيمة وذلك في قوله تعالى: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَات وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ (والتقدير في السرد هو أن يجعل في السابغات؛ وهي الدروع فتحة المسامير على قدرها بإتقان، وثانيهما: الجهاد، فإن الملك الذي يصنع هذا لا يفعله إلا لنفسه وجنوده، فأفاد نسبة الصفة له وهو الملك أنه كان مجاهدًا، وهو كذلك (، فهو الذي قتل جالوت في شبابه كما في سورة البقرة، وهذا الذي يسميه الأصوليون «دلالة الإشارة» .
وقوله تعالى: (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ (إذ نسب البأس إليهم فيه دلالة أن جهاد الدعوة كان دين وشريعة داوُد (، وقصة سليمان مع ملكة سبأ كما في سورة النمل دليل على ذلك، وهي ترد على الجاهلين من المعاصرين الذين نفوا جهاد الدعوة عن دين الله تعالى، ففقه هذا الجهاد قديم، بل هو من زمن موسى (كما في سورة المائدة في قوله تعالى عنه: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (وهذا جهاد دعوة وفتح، لا جهاد دفع، والأنصار ? في غزوة بدر كان هذا جهادهم ولذلك قالوا لرسول الله (:"والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (، ولكن: اذهب أَنت وربك فقاتلا إِنّا معكما مقاتلون"، فإن حالهم في هذا الجهاد هو حال بني اسرائيل فيه، وهو أنه جهاد دعوة.