فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 198

وأنت تعلم بهذه الصفة الداوُديّة المحكمة أن أعداءهم كانوا أولي بأسٍ شديد، فأن يذهب داوُد (ليعمل فكره وقدرته لصناعة السابغات، وأن يجعل فيها الحلق، لا أن تكون ملساء حتى تعلق بها آلة الضارب يدلك على أن هذه حاجة له ولجنوده، وهي لا تكون كذلك إلا من بأس أعدائه وشدتهم في القتال، والقرآن لا يقلل شأن اعداء المسلمين في القتال كما يظن البعض، بل قد وصف المرتدين وقتالهم بعد وفاة النبي (بقوله: (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ (، فوصفهم بالبأس الشديد، أمّا قوله تعالى: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (، فهذا حال آخر، وهو الذي يقع عند دخوله مكة مع جموع الفاتحين، وكان شأن قريش في ذلة وهوان، وقد كان بعض قتال ثم حصل ما حصل من وصف له القرآن له بتولية الدبر، فلا يجوز حمل هذه الآية على كل أحوال الجهاد كما يفعل البعض، فأن يصل أهل الإسلام إلى حال ما وصل إليه النبي (عند فتح مكة ويكون واقع هذه الآية لا بُدَّ من واقع الفريقين كذلك.

وقوله تعالى: (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (دليلٌ على ما تَقَدَّم من أن هذه الصنعة حققت منفعة صد ضرر أعداءهم، وكل النعم لا بُدَّ من شكرها، وهكذا تحققت لك صورة بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وهو نبيٌّ يوحى إليه، ويجري عليه ما يجري على البشر، وهو في سلوكه يحقق حب الله تعالى ورضاه فهو:

-حاكم ملك يجلس لرعيته من أجل فض الخصومات فيما بينهم، فلا يعتزل عنهم زاعمًا أن شؤون حرثهم وغنمهم أصغر من همومه، وأقل من أن ينظر فيها، بل يأخذ كل أمر من أمورهم على محمل الجد، ويستعين بالحكيم الفقيه على هذا الشأن العظيم، حرصا على إقامة العدل، ورفع الظلم، ورعاية المصالح، وأن يقرن الله تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ (وهما النبيان العظيمان علمًا وسلطانًا، وجهادًا وعبادةً في أمر حرث نفشت فيه غنم قوم ليدلك على قيمة العدل في كل شؤون الناس، فما كان صغيرًا عند أحد، هو للآخر كل حياته ومكسبه، والحاكم العادل هو الذي يرعى شؤون الصغير والكبير، وحاجة الناس صغيرها وكبيرها، والله يقول لداوُد: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ (.

-وهذا النبي الملك العظيم يصغي لكلمة ابنه وقد فتح عليه ما لم يدركه، فإن تحقيق العدل مراده، فيتواضع تواضع الصالحين الذي يحقق له الرفعة والمنزلة عند الله وعند الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت