فهرس الكتاب
-وهو مع مُلكه وسلطانه وقيامه بشؤون رعيته، صغيرها وكبيرها، عابدٌ، ذاكرٌ، مُسَبّحٌ، يقرأ الزبور ودواب الجهاد تسرج له، استغلالًا لكل لحظة، وقنصًا لكل اختلاء بلا مهمة، فيجود القراءة تحبيرًا لها، ويمضي فيها حتى يدخل في عمل آخر من الطاعات.
-وهو نمودجٌ للنبي المجاهد الذي يرعى شؤون الجهاد وأدواته، فيعمل فكره لتقليل ضرر الأعداء عليه وعلى جنوده. ولأن القرآن يُقَدّم للأمور العظيمة مقدماتٍ تليقُ بها لتدرَك، فإن مفاجأة الناس بالعظيم تذهلهم، فقد قَدَّم القرآن قبل ولادة عيسى بلا أب بولادة يحيى (لزكريا بعد أن أصابه وزوجه الكبر، فهاهو قدم لما أعطي لسليمان (من الآيات والفضل والنعم بمقدمة تسخير الجبال والطير يسبحن مع داوُد (، وقد أدرك الناس هذا مع داوُد (، وليس هو أمر خاص له دون إبصار الناس له، ففي سورة ص قال تعالى: (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (فقد كان الناس يرون كيف كانت الطير تأوي إليه وتحبس نفسها للاستماع وترديد تسبيحه.
إضاءة: وقبل أن نفارق هذا الموطن من الحديث عن قضاء الأنبياء، وما تَقَدَّم أن القضاء له شقان، شقٌ فيه العلم بحكم الكتاب والسُنّة، وشقٌ يتعلق بفهم الواقعة، وهو بهذا يشابه الفتوى، ثم يزيد عن الفتوى بالإلزام، فالقاضي لا يكون كذلك حتى يكون له قوة إلزام الخصم أو المتخاصمين بالحكم، وهذا ليس من الفتوى ولا من صفتها، فإن المفتي ليس له قوة إلزام المستفتي بما أفتاه. وقد تَقَدَّم أن النبي إذا كان قاضيًا قد يُعرَض له ما يُعرَض لغيره في الشق الذي يتعلق بفهم الواقعة للحديث: (( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ ) )، وقد وجد من وسع هذه الدائرة، وهي ما إذا كان النبي حاكمًا أو قائدًا، فحكم بحكم، فهل حكمه هذا يُحمَل على أنه تبليغٌ لحكم الله تعالى، فهو وحي، أَم يُحمَل على أنه عملٌ من أعمال الحاكم والقاضي، أي قاله على جهة المصلحة والنظر وليس وحيًا من الله. وهذه المسألة لم تكن عند الأوائل، ولا قالوها، ولكن الإمام المالكي القرافي قعّد هذه المسألة في جزءٍ له، وأشهر ما يمثل لهذه المسألة مسألتيّ سلب القتيل وإحياء الموات. فأمّا مسألة سلب القتيل، فقد قال رسول الله (:(( مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ ) )وأمّا إحياء الموات فقوله (:(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ) ).
فيرى جمهور العلماء أن هذا حكمٌ تشريعي ليس لأهل الإسلام إلا العمل به سواء أَذِنَ بذلك الحاكم أَم لم يأذن، بل لا يلزم أي حاكم العمل بهما. وأمّا مالك وأبو حنيفة رحمهما الله فيقولون في مسألة السلب: إن القاتل ليس له سلب القتيل إلا بإذن الإمام، ولا يخمس، لأنه خارج قسمة الغنائم، إلا رواية عن مالك أنه أجاز للحاكم