فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 198

فاضطروا للتأويل ونمادج التأويل عند التعارض لها صور كثيرة، إذ أنهم يفسرون الخاص على معنى ينقدح في أنفسهم حين لا يعتبرون حكمه، وحين يعجزون يقولون: حادثة عين.

ومن الأمثلة غير ما تَقَدَّم لكنها تدخل في هذا المعنى رد الأحناف جلسة الاستراحة بعد الركعة الثالثة وقبل القيام، فإنهم لم يجعلوها من سُنَن الصلاة وقالوا: فعلها النبي للحاجة لما أسن وضعف، وردهم جلسة التورك في تشهد الصلاة الرباعية وفسروها على المعنى المتقدم، فالتفسير أو التأويل ليس أصلًا يصار إليه إلا عند العجز عن الجمع مع وجود التعارض الظاهر، فوضع تأويل قالوه قاعدة للتفريق بين أفعال النبي (وجعلها قاعدة عملٍ غير علمي وليس هو منهج أهل الفقه المعتبرين لا الأحناف ولا المالكية ولا غيرهم.

والقرافي صاحب الفروق وضع هذا الجزء على معنى كتابه الفروق؛ أي في التفريق بين حكم وحكم مع تشابه الظاهر لخلاف في المعنى، وقد يكون خفيا، وهذا كثير، واكتشاف القاعدة لا يجعلها دليلا، والذين كتبوا في القواعد الفقهية من أهل العلم نبهوا أن هذه القواعد ليست دليلا للإستنباط، لكنها تضبط الاستنباط، أي يجب مراعاتها عند الاجتهاد، لا أنها أصل في إنشاء الحكم. لكن لَمّا جاء المتأخرون، وقد كثرت فيهم الأهواء، ومالت نفوسهم إلى رد أحكام تحت ضغط المشركين والزنادقة عليهم فيها، فتحوا هذه الكوة ليدخلوا فيها أحكامًا قد أجمع عليها السابقون إجماعًا يقينيًا يكفر فيها المخالف، مثل مسألة قتل المرتد إذا كان ذكرًا، لأنهم اختلفوا في الأنثى، فقالوا إن هذا من نوع السياسة لا التشريع، بل إن زعيم هذا الأمر الذي فتح أمره لأول مرة زعم أن أبا بكر ? قاتل المرتدين على وفق السياسة لخروجهم عن نظام الدولة لا لخروجهم عن الإسلام، وما هذا إلا لنفيه حكم الردة، فلمّا لم يستقم له عمل الصديق ? ذهب واتهمه بهذه التهمة التي هي دين الروافض كما ذكر ذلك الحلي في كتابه [منهاج الكرامة] والذي ردَّ عليه ابن تيمية - رحمه الله - في [منهاج السُنّة] ، وسمى كتاب الحلي [منهاج الندامة] .

وهذا التأويل يقدح في دين أبي بكر الصديق ? ودين كل الصحابة الذين جاهدوا معه، فإنه جعل كل جهاد الصحابة ضد المرتدين من أجل إخضاعهم لسلطانه وحكمه، لا لخروجهم عن دين الله تعالى، وهكذا صار التأويل سبًا للصحابة.

وبهذا تعلم أن هذا التفريق ليس أصلًا فقهيًا يصار إليه، فإن المعنى الذي أرادوه، والوجه الذي سلكوه يفتح باب رد الشريعة كلها، إذ لا ضابط عندهم لهذا التفريق. فإنهم حين أدخلوه لرد الإجماع اليقيني قد سلكوا أضلّ المعاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت