فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 198

فيه فلو سلكوا طرق الفقه الصحيحة من عرض الأدلة الشرعية في المسألة، ثم خلصوا بالدليل إلى الحكم فاعترضهم قول أو عمل يخالفه فردوه بالقواعد العلمية كرد الأحناف التخصيص المنفصل إلا إن كان بقوة العام لكان لهم وجه يرد عنهم تهمة الهوى والتشهي، ولكن القوم ليسوا كذلك فالتهمة ثابتة فيهم، ومما يقرب لك طريقة التشهي المتبعة عندهم أخذهم بقول الأئمة الأحناف - رحمهم الله تعالى - في قتل المسلم بالكافر، مع أنهم لا يقولون بأصولهم الموصلة لهذا الحكم، بل هو الزعم أن أبا حنيفة - رحمه الله - أقرب إلى القواعد الإنسانية في احترام الإنسان من غيره، وأشهد الله أن أبا حنيفة - رحمه الله - لم يخطر بباله هذا الخاطر، بل مجمل الأمر أن له أصولًا يعملها، وأهل العلم بأصوله ممن يسميهم أهل الأصول بأهل الرأي يقولون أن العام عند الأحناف أقوى من الخاص، فدلالة العام على أفراده أقوى من دلالة الخاص، ويقولون إن التخصيص المنفصل نسخ، ومن شروط النسخ عندهم أن يكون الناسخ بقوة المنسوخ دلالةً وثبوتًا، فالقرآن لم يفرق بين الكافر والمسلم فهو عام، وحديث علي ?: (( وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِم بِكَافِرٍ ) )خاص، وهو عندهم حديث آحاد، فلا يخصص به القرآن، فيبقى حكم القصاص على عمومه في القرآن، فالذين يأخذون بقول أبي حنيفة - رحمه الله - في هذه المسألة لا يستقيم لهم المتابعة لقوله إلا بأخذ أصوله، وإلا كان أخذهم بقوله تلعبًا بدين الله وردًا للحديث بالهوى، ومن أخذ بهذه الأصول يجب عليه تمشيتها في كل المسائل، والقوم اليوم ليسوا كذلك، فهم لا يأخذون بقولهم في تقسيم الحديث إلى متواتر ومشهور وآحاد على ما يفعله الأحناف والمشهور عند الأحناف له تفسيرٌ خاص ويعدونه قطعي الثبوت خلافًا للآخرين، ويأخذون بالخاص حتى لو كان آحادًا في مسائل كثيرة، ولتلعبهم هذا صاروا أهل تلفيق تحت مسمياتٍ كثيرة ليست من مناهج العلماء في شيء والعجب أن يقع في هذا الباب من يزعم الفقه وأصوله، وأنه يعمل قواعدهما في الفتوى والاجتهاد.

ومن علم كتاب الله وسُنّة رسوله (وطريقة الصحابة ? والتابعين من أهل الفقه والفتوى علم أن كل ما أخبر به رسول الله (إنما هو وحيٌّ من الله تعالى، ولكن قد يعرض للفقيه اعتراض فيعمل فيه اجتهاده في إصابة الحق، وأمّا من ذهب يردُّ حكمًا بعد ثبوته بالنص مع عدم وجود المعارض، أو ردَّ حكمًا مجمعًا عليه بحجة أنه حكم سياسة لا حكمًا شرعيًا فهو ضال قائل على الله بغير علم، وقد ذهب مذهبًا محدثًا ليس من هدي الأوائل في فقه الكتاب والسُنّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت