فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 198

قوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ? وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [1] (

لَمّا وقع لسليمان (ما قاله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (كما في سورة ص، وتفاصيلها لا عنه شيئا، وقد قيل في تفصيل هذه الآية كلام كثير ليس إلا منقولا عن أهل الكتاب، وفيه جهالات لا تليق بالأنبياء، والقرآن حين يسكت عن أمر ولا يفصله لا هو ولا سُنّة الرسول (، فإن من العلم عدم البحث عنه لكمال الدين بدونه، وهذا من هذا النوع، فلا فائدة من الخوض فيه: فلما وقع لسليمان (الابتلاء قال: (رَبّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّك أَنْتَ الْوَهَّاب (كما قال تعالى، فكان أن أجاب الله دعائه فقال سبحانه: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (؛ أي حيث ملكه، وهذه الآية من سورة الأنبياء تبيّن مكان ملكه وهو قوله تعالى: (الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (، وهذا دليل أن حركة الريح خاضعة له في مكان مخصوص وليس كل الوجود كما فهم بعض أهل العلم، ومن قصة سليمان (مع ملكة سبأ تعلم أنه لم يملك كل الأرض، فهذه اليمن لم يكن يعلم عنها شيئا حتى أخبره الهدهد وقال له: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (، ولكن الناس يحبون التكثير شأنهم في حب الغرائب، أمّا تفسيرهم: (حَيْثُ أَصَابَ (؛ أي حيث أراد فغير مستقيم، والأولى أن يفسر القرآن بعضه بعضا، فإن: (حَيْثُ أَصَابَ (فسرت بهذه الآية: (الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا (وهي بيت المقدس وما حولها وهي الشام.

وهناك فرقٌ بين آية الأنبياء هنا وآية سورة ص، وهي أن الريح هنا وصفت: (عَاصِفَةً (، وفي سورة ص وصفت: (رُخَاءً (، وذلك لبيان تسخيرها على الوجه الذي يريد، فإن شاءها عاصفةً قويةً كانت كذلك، وإن أرادها رخاءً كانت كذلك.

وكان من الملك الخاص له تسخير الجن له، مؤمنهم وكافرهم، فالشيطان هو كافر الجن، والله يقول في سورة النمل: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (. وكان عمل الشياطين ما ذكر هنا وهو الغوص في البحار، ثم لهم عمل هو دون الغوص وهو ما ذكر في سورة ص: (كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (، أي يبنون له، وقد جاء في سورة سبأ ما هو بنيانهم فقال سبحانه: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ

(1) الأنبياء: 81 - 82

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت