فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 198

الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ? يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ (، فهم يبنون المحاريب وهي أماكن العبادة، والتماثيل، وليس المقصود الأصنام، بل هي كل بنيان له شكل مصور، وقد وصف بعضها في سورة النمل كما قال الله تعالى: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ (أن للطعام كحياض الماء، وقدور عظيمة مستقرة على أثافيها لثقلها للطبخ. فقد ذكر في هذه الآية ما تبنيه، فهي أبنية للعبادة وللسكن وللطعام، وهي حاجة الناس في كل وقت. كما ذكر في سورة ص أن هناك من الجن من هو محبوس مقيد وذلك في قوله تعالى: (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (.

وها هنا مسألة وهي أن هذا الملك الذي حصل لسليمان (من تسخير الريح وخضوع الجن هو خلاف الأصل في الوجود، والتدافع السُنَني بين الحق والباطل أدوات التدافع فيه غير هذه الجنود من الجن والطير والريح، فهل يعني أن الحق لا ينتصر إلا بأدوات: «المعجزة» و «الكرامة» الخاصّة؟ وإذا كان الأمر كذلك فأين هذا من موطن الإشارة إلى بشرية الرسل وخضوعهم لسُنَن الإنسان في الوجود؟

والجواب: لقد علمت أن الملك الذي أعطيه سليمان (إنما ورثه من أبيه داوُد (، وقد علمت أن داوُد صار له الملك بعمل بشري شجاع وهو دخوله في جند طالوت وقتل عدوهم جالوت، فكان الملك الذي حصل لداوُد عن طريق سُنَني لا دور للجن ولا للريح ولا للطير فيه، وما ذكر من أمر تسبيح الجبال والطير مع داوُد (فهو أمر لا دخلَ له في تحصيل الملك ولا هو من أدوات الملك والسلطان في الدعوة إلى الله والانتصار على الخصم، بل هو أمر خاص له في أمر تعبده النُسكي بينه وبين ربه، وهكذا استقر الملك لآل داوُد (، وصار الملك بعد ذلك لسليمان، وما حصل أن أكرمه الله في ملكه وقد استقر لآل داوُد عليه كما قال تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَه (؛ أي داوُد بأن صارت الريح والجن له خدمًا، ولم يذكر في الكتاب أمر عملهم في شأن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله تعالى، بل عملهم على ما ذكر لك من الغوص لتحصيل المنافع، والبنيان لما تَقَدَّم ذكره، والقصة الوحيدة في القرآن في أمر سليمان (وجهاده هي مع ملكة سبأ، والذي ذكر فيها أن الذي أخبر سليمان (بالأمر هو الهدهد وليس الجن، وكأن الأمر ليس من اختصاصهم، كما تقدم لك أنه قد خضع له الشياطين وهم كفار الجن، فهل هؤلاء عدة جهاد وجنود دعوة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت