فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 198

ولو تأمّلت ما ذكره الله تعالى من صناعة داوُد (، وهي صناعة أدوات الجهاد وتطويرها، وما ذكر عن صناعة الجن لسليمان (لرأيت أن الأمر مختلف، فحين يكون الأمر أمر جهاد وقتال في سبيل الله يعرض القرآن صورة النبي الذي يصنع أدواتهما بنفسه، وأمّا أبنية الجن فهي أبنية ملك وسلطان، وحاجة له ولشعبه، وذلك ليعلم أن الجن والريح لم تكن أدوات جهاد لسليمان (، فإن تحقق له نصر على أعدائه فهو بجهاده وجهاد المؤمنين معه، ويشهد لهذا حديث الاستثناء وفيه أن رسول الله (قال:(( قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ(: لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) )، فعدة الجهاد هم الرجال عنده وليس الجن أو غيرهم، وهذا الحديث فيه فوائد منها بيان جهاد سليمان (، ووجود الجهاد يعني وجود المخالف، وهذا دليل لما تقدم ذكره أن سلطان سليمان (لم يبلغ كل الأرض كما يقول البعض، كذلك فيه أن الوعد الإلهي مشروط، وحين يغفل صاحب الوعد عن الشرط يفوته الوعد كما قدم لك سابقًا، فإن سليمان (لا يقول هذا القول من عند نفسه، بل هو من إخبار الله له وهو قوله:"لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، وكان هذا وعدًا بشرط، فلما فات الشرط وهو الاستثناء؛ أي قوله: إن شاء الله، فلما فات الشرط فات الوعد، وهذا يفسر لك دعاء النبي (يوم بدر مع وجود الوعد، ودعاء نوح (على قومه مع وجود الوعد وهكذا.

فإن قيل: فما وجه قوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ (؟ فالجواب: هي جنوده ولا شك، ولكن الكلام عن عدة الجهاد وأدواته، فهذه الهدهد تحمل الخبر إليه، وتحمل رسالة إلى ملكة سبأ لكن الكلام عن آلة الجهاد، وهي المقصود. وذكر هذه الأخبار لرسول الله (ولأُمّته من أجل تعليمهم قدرة الله تعالى وعطاءه، كما ذكر رسول الله (أمر الفيل وما حصل له ولأصحابه، والله يقول: (وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ (، ويقول: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ (، فالله يعلم عباده قدرته بما أعطاه للخلق، وبما يفعل للمؤمنين من إكرام وما يفعل للكافرين من عذاب، وهو يحب سبحانه أن يمدح وأن يذكر فعله جلَّ في علاه.

ومع ما أُعطي سليمان (من الملك، وما أعطيه والده كذلك إلا أنه جرت عليهما سُنَن الخلق في الموت والحياة، وقد ذكر في سبأ كيف كانت وفاة سليمان (، وهذا لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ? كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (وقد نجح هذان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت