فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 198

وقوله (: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ (من أدبه في الدعاء، فإنه لم ينسب الضر إلى الله، بل في سورة ص، قال: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (وأنت ترى لما نسب الأمر إلى الشيطان فإنه فصل وأكثر فقال: (بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (ولَمّا لَم يُنسب اقتصر على قوله: (الضُّرُّ (، وأدب الأنبياء والصالحين في القرآن كثير، ومن هذا النوع في ترك نسبةالضر إلى الله ما ورد في سورة الكهف، فإن الخضر (لما ذكر السفينة وخرقها قال: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا (فنسب الفعل لنفسه، وكذلك لما قتل الغلام قال: (فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ? فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (فلما كان القتل نسبه لنفسه، ولما كان الاستبدال نسبه لله، ولما ذكر إصلاح الجدار فلم ينسبه لنفسه كخرق السفينة وقتل الغلام بل قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ (مع أن جميع ما فعل هو من أمر الله تعالى لقوله: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي (؛ وأدب الأنبياء والصالحين في القرآن كثير يمكن أن يجمع فيه مصنف كامل، ولو تأملت قول أيوب (هنا وهو يشكو لربه في قوله: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ (مع أنه برّح به ثم ختمه بقوله: (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (ترى الأدب في الخطاب كذلك.

وقوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ (وهذا وعده جلَّ في علاه للداعين لقوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ (، وقد يسأل سائل: لقد قيل عن زمن مكث أيوب (في المرض، وأنه طالَ عليه، فهل أخّر أيوب (الدعاء، أَم إن الإجابة طالت زمن المرض؟ والجواب: إن شأن الأنبياء - عليهم السلام - والصالحين أن يسارعو في الدعاء، لأنه خير عبادة المرء في السعة والضيق، والمرء يكثر منه في الضيق لشدة الحاجة فإنه باب قضائها، ولكن لا يقع الجواب إلا على قدره الذي قدّره الله تعالى في سابق علمه، والمستعجل هو الذي يظن أنه لم يستجب له فيترك الدعاء كما قال رسول الله (، وأنت تعلم قصة يعقوب (مع بلاء فقد ابنه الحبيب يوسف الصديق (، وقد شكى ودعا حتى كف بصره كما أخبر القرآن بذلك، فلم يترك الدعاء، ولم يقع في اليأس بل قال: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (، فتأخير الإجابة ليس لضعف الداعي، وقد يكون هذا احدى الأسباب عند بعضهم، لكن ليس هذا لازم التأخير، فقد يكون التأخير فيه خير الداعي بكثرة العبادة والدعاء والصدقة، وقد يكون أمر الإجابة خيرًا مما طلب، كما وقع ليوسف (، فإنه عاد إلى أبيه يعقوب (خيرًا مما رجا وأمل، وقد يكون لبلوغه القدري الملائم له، فإن الفعل يتشكل كما يتشكّل الجنين في بطن أمه، ولا يخرج إن أراد الله حياته إلا على قدر يلائمه من الزمن والحال، وإلا كان سقطا، ولو تأملت تأخير الله تعالى الثلاثة المخلفين في غزوة تبوك، مع توبتهم في أول الأمر لعلمت بعض حكم تأخير الإجابة، فإن الاستغفار دعاء، وبعض من يقرأ الآيات يتجاوز عنصر الزمن، ولا يراعيه، فالله يقول عن نوح (: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ? فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ ? وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (، وأنت تعلم أنه بعد أن علم بأنهم لن يؤمنوا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت