فهرس الكتاب
فدعا ربه هلاكهم فإن الله أمره ببناء السفينة، فانظر كم كان بين دعاءه: (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (وبين قوله تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (. وانظر كذلك بين دعاء الخليل وابنه اسماعيل سدد خطاكم: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (وبين تحقق هذا الدعاء ببعثة سيد الخلق مُحَمَّد (، فمراعاة الزمن في فهم الوقائع، وكذلك مراعاة وجودها السُنَني تعينك على فهم الوعود الإلهية والأخبار القرآنية، فإنك إن دخلت هذا السلك، وهو سلك الدعاة إلى الله تعالى وسلك العاملين لدينه والمجاهدين في سبيله فإن أكثر ما يقع البلاء فيه هو فهم أقدار الله تعالى، أمّا الابتلاء بإدراك الأحكام الشرعية فقليل، إذ المسلم مسلم للشرع، لكن الأقدار وما فيها من وقائع وخاصة وقت الابتلاء والمحن والملمات هي ما تعرض لهؤلاء، ومن لم يفقه حركة الأنبياء - عليهم السلام - في القرآن على وجهها السُنَني وقع في التردد والتساؤل، ومن ذلك مسألة إجابة الدعاء في صرف البلاء وتحقيق الفرج، وكذلك فهم العمل الإيماني حين تغيب معالم أثره في لحظته الراهنة ولا يبقى منه إلا البلاء، فيحكم عليه البعض بهذه اللحظة ولا ينظر إلى حكمة الله تعالى فيه، وأنت ترى الناس اليوم لا يردون أصل الجهاد، وأقصد أهل العلم والفتوى، لكنهم يردون أغلب آحاده وصوره المعاصرة، بل إن بعضهم مع إيمانه بالجهاد إلا أنه لا يرى جهادًا في هذا الزمن، وسبب هذاجهلهم بقدر الجهاد، فإن علمهم به فقها لم يغنهم في دفع حقيقته وواقعه، والسبب أنهم يتصورون الجهاد تصورًا خاصًا، ويظنون للجهاد أقدارًا مصنوعة من داخلهم لا من الإدراك السُنَني له، وقد تشغلهم حين النظر إلى تاريخه عند السابقين صورة جميلة عن حقيقته، فلما يقع في عصرهم وهو وقوعٌ سُنَني كان في كل جهاد في الوجود حتى مع الأنبياء - عليهم السلام - فإنه يضيق علمه إلا من رؤية ما يؤلمه، فيذم ويقدح، ومثل هؤلاء حال الشعراء الذين يأسرهم اللفظ عن الحقيقة الكونية، فالشاعر حين يصف الزرع وقطف المزارع له، فإنه لا يرى فيه الألم ولا التعب ولا مشقّة الزرع ولا الرعاية ولا الحرث، بل هي عنده في لفظه على معنى الراحة من كل وجه، ولو قدر لهذا الشاعر أن يعمل مزارعًا لعلم أن سُنَن الأشياء غير ألفاظها.
والمخرج من هذا هي قصص القرآن وفهمها على وجهها السُنَني، أمّا الداعي إلى الله الذي قام خطيبا لمرة في قومه فعلمهم فاستهزؤوا به وأعرضوا عنه فذهب يدعو دعاء نوح (الذي دعاه بعد ألف سنة إلا خمسين عامًا ثم جعل ينظر إجابة دعائه فهذا جاهلٌ بسُنَن الدعوة، وهو إن فهم وجهها الشرعي لكنه جهل قَدَرها الكوني، والعبودية لا تستقيم إلا بالتسليم للشرع وللقدر، ولا يتحقق التسليم للقدر إلا بفهم وعلم سُنّة الله فيما أنت قائم به، وأعظم سُنَن الوجود هي ما تعلقت بالدعوة والجهاد، فهي ما اعتنى به القرآن وفصله.