فهرس الكتاب
فأيوب (قد أصابه النصب والعذاب والضرر، وهذه لا تقال لمن وقع يوما في المرض، بل هوحال من طال عليه المرض، فدعا ودعا، وقد تمت الإجابة منذ أول الدعاء، ولكنه الدعاء كالدواء لا يتحقق فعله إلا بوجود الكفاية منه، وبسلوك الدواء مسلكه السُنَني بوجود عامل الزمن لتحقيق الأثر، وهذا الذي هنا يقال كذلك عن محنة يونس (كما ستأتي.
قوله (: (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (ليس فيه طلب الشفاء باللفظ، إنما هو عرض الحال على معنى السؤال، وهذا على معنى قول الشاعر:
أَاذكرُ حاجَتي أمْ قد كفاني ... حياؤك إنَّ شيَمتَكَ الحياءُ
فعرض الحال سؤال كما قال الأعرابي للخليفة:"بيتنا يشكو قلة الفئران"، وهذا من أيوب منتهى التذلل مع تفويض الأمر لربه.
وقوله: (فَاسْتَجَبْنَا (جاء تفصيله في سورة: ص في قوله تعالى: (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (فقد ضرب برجله الأرض فخرج له الماء، فكان شفاءً وشرابًا، والبرد في لغتهم يقرن بالبراءة من العيب كقولهم: «برد اليقين» و «برد العافية» ، وأمره بأن يركض برجله ليحصل له الماء الذي فيه الشفاء، كأمره لمريم - عليها السلام - بقوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (، وهذا كله مراعاةً للسُنَن القَدَرية، فإن الله قادرٌ أن يحصل لأيوب الشفاء بلا ماء يستشفى به، والركض بالرجل لا يخرج الماء، كما إن امرأة نفساء لا تقدر هز جذع النخلة المثمرة، ولكنها السُنَن القدرية التي يجب على العبد مراعاة ما قدر منها، فإنه إن فاته شيء قدر على آخر، والميسور لا يسقط بالمعسور، والنبي (يقول:(( اسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ ) ).
وأنت ترى هنا أن استجابة الدعاء كانت هداية لسبب يحقق المطلوب، إذ لم يكشف الضر بزواله بغير سبب، بل هداه الله لسبب يحقق فيه سؤاله، فالمؤمن يرى أن ما به من نعمة إنما تحقق بهداية الله تعالى له و إدراك سببه، والأعمى يقف ناظرًا إلى السبب معلقًا عليه ما حصل له كما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي (فلو هدي لحمد الله على نعمة العلم، وهو السبب الذي حصل به المال، فالأسباب عند الجاهلين حجاب عن رؤية المنعم، وهي عند الصالحين سبيلًا لرؤية يده وعطائه.