فهرس الكتاب
وأمّا ذو الكفل فذكره هنا في هذا السياق يدلُّ على نبوته، وقد اختُلِفَ في ذلك، والمقصود هو دخوله في زمرة الصابرين والصالحين، وقوله: (وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتنَا (، دليلٌ على حصول كشف البلاء عنهم بعد الصبر وجعل الله علة إجابة الدعاء هو الصلاح، وسيأتي في خبر زكريا (بعض أعمال الصلاح، مع أن الدعاء هو من خير أعمال الصالحين زمن الصبر.
وهذا كله بيانٌ لمسالك العبودية، ونموذج العابدين، والشخصية القرآنية، إذ أن عمادها الصبر على البلاء، سواء كان في بدنها أم أهلها، إذ الصبر قسيم الشكر، فهذا للنعم والأول للبلاء، ولا تصحُّ عبودية المرء ولا دخوله في الصالحين إلا مع هذه الخصلة المحبوبة عند الله تعالى كما قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (.
وقد تَقَدَّم لك أن الصبر قسمان؛ صبر على أداء الفعل، كصبر المجاهدين في جهادهم، وصبر المتقنين لتحسين عملهم، وصبر التسليم، وذلك حين فراغ الوسع من قوته، وفراغ اليد من آلتها، وهما لا يشبهان صبر البهائم بالرضا على الهوان مع إمكانية دفع الضرر بالجهاد والعمل، وهو الصبر الذي يدعو إليه البعض اليوم أمام إجرام أعدائهم، الذي ينظر إلى عرضه ودينه ينتهك، وينزوي إلى مأمنه زاعمًا العمل بخصلة الصبر هو كاذب، بل هو الجبن والخور، وهؤلاء يزعمون الصبر هروبًا من البلاء المحبوب عند الله تعالى، وهو البلاء الذي يصيب الدعاة والمجاهدين والعلماء، إذ يقع عليهم لقيامهم بدفع المنكر والنهي عنه فيصيبهم البلاء، وأمّا هؤلاء فيسكتون على المنكر زاعمين الصبر عليه، وهم من الصبر المحمود عند الله فروا، ولذلك قال تعالى: (وَالْعَصْرِ ? إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ? إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (فجعل الصبر هو مظلة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق، أما ترك الحق بزعم الصبر فهو طريق الضالين.
قوله تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ? فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ [1] (
وهذه شخصيةٌ نبويةٌ أخرى، ونموذج بشري مهتدي يرفعه القرآن للدخول فيه، إذ فيه إحدى عمد الشخصية القرآنية المحبوبة عند الله تعالى وهي صفة التائب المنيب إلى ربه، فإن الله ? قدر الذنب على ابن آدم لا محالة كما قال رسول الله (:(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم ) )، وقال (:
(1) الأنبياء: 87 - 88