فهرس الكتاب
(( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنْ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ) )، وهذا من وراثة الابن عن أبيه، فإن الله خلق آدم من ضعف، وكذلك أولاده من بعده، ولقد كان عدم فهم الذنب على الوجه الذي علمه الله لأنبيائه سببًا لنشوء أديان باطلة ومذاهب شركيّة، فإن بعض الأديان ترى الإنسان وسخ، قذر، لا يصلح للطاعة، وجعلت سبيل الحياة كلها هو معاقبة الإنسان لنفسه، فأرهقته على وجه الخروج عن الإنسانية كما تفعل أديان النسك الشركي، وورثت النصرانية هذا الدين عن غيرها، فصار العابد منهم، والمقدم فيهم هو من شدد في إيذاء بدنه للخروج من قذارته ووسخه كما يسمون الفطرة الإنسانية، والنبي (قد رأى واقفًا في الشمس فسأل عنه فأخبر أنه نذر أن يقوم صائما في الشمس، فأمره أن يتم صومه، لأنه طاعة، كما أمره أن يستظل، وفي الحديث لمثل هذا قوله:(( إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لغَنِيٌّ ) )، وقال (لمن استقلّ عبادته، وأنه يصوم ويفطر، وينام ويقوم:(( مَنْ رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) ).
فاعتقاد قذارة الإنسان ووسخه ونجاسة روحه وقلبه هو اعتقاد أهل الضلالة والشرك، ووقوع الإنسان في الذنب لا يعني إلا شيئًا واحدًا أنه إنسان، ولا خروج لهذا الإنسان عن بشريته وفطرته التي فطره الله عليها، ولذلك كان من رحمة الله أن فتح باب التوبة للعبد، وجعل دخول هذا المذنب هذا الباب من محبوبات الله، والسالك فيه بالغ الرضى الإلهي.
فالشخصية النبوية بشرية القوام، ويعرض لها ما يعرض للبشر، ومن أحب أعمالهاعند الله تعالى استغفارها على معاني كثيرة قدمت في موطن آخر، ولذلك قال الله لرسوله (: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (والنبيُّ (يقول:(( إِنِّي لاَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ) )، وقال: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم وَتُوبُوا إِلَيْهِ، فَإنِّي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ ) )، فهذا الذكر المحبوب إلى الله هو ما تلهج به ألسنة العباد الذين الذين يحبهم الله تعالى، وقال ?: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (، فالقنوط من رحمة الله كفر بالله وبصفاته، فإن القانط كافر بالغفور الرحيم.
ففي قصة يونس (: (ذَا النُّونِ (أمران؛ بيان اقتران الشخصية القرآنية بالتوبة والاستغفار، كما أن فيها بيان عظم الذنب في تغيير مسار الدعوة عن طريقها الذي يحبه الله لها. فإن يونس (ترك قومه غضبًا لعدم إسلامهم، والنبي وإن كان له مشاعر خاصّة تطرأ على نفسه وهو قائمٌ بالدعوة إلا أن اختياراته لا تكون تبعًا لهذه