فهرس الكتاب
المشاعر، ولا يجوز أن تحكم هذه المعاني الشخصية اختياراته، بل يجب سلوك سُنَن الدعوة كما هي في شرع الله تعالى، فالله تعالى يقول لرسول الله (: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (ويقول: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ (ويقول له: (عَبَسَ وَتَوَلَّى ? أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى ? وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ? أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ? أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ? فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى ? وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ? وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى ? وَهُوَ يَخْشَى ? فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى ? كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (، ويقول لنوح (: (فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (ويقول: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ (، فقدر الدعوة لا يخضع لما يحب الداعي ويشتهي، حتى لو كان ما يحبه هو ما يظنه مصلحة للدين، فإن فعل المصطفى (- بأبي هو وأمي - مع الأعمى ? لم يكن عن هوى، وحاشاه (، بل هو النظر في مصلحة الدين كما يراها. فالدعوة وطريقها أمر عظيم عند الله تعالى، والداعي لا يجوز له إلا أن يسلك السبيل الذي شرعه الله له، فلا يغير ولا يبدل بل كما قال الله تعالى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (.
وتأمّل هذه الآية وسورة يونس، وهي تجمع بين الاتباع والصبر وانتظار القضاء الإلهي في الفصل بين الأنبياء وأعدائهم، لتعلم أن النصر لا يتحقق إلا بالصبر على طريق الدعوة كما شرعه الله، وهو بين في القرآن، ومن ذلك نهيه عن المداهنة كما قال سبحانه: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (ونهيه عن المساومة عن بعض الدين كما قال تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (وقوله تعالى له: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ? لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ? ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ? فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (وقوله تعالى: (وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ? وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ? إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (وآياتٍ كثيرة كلها ترسم طريق الدعوة، وتُفصّله، ثم يأتي الجاهلون ليقولوا إن القرآن كتاب عمومات في مسالك الدعوة، ليجعلوا لأهوائهم مكانًا في أعظم عملٍ في الوجود، وهو عمل الأنبياء، ولو قال قائل: إن أعظم أمرٍ قد فصّله الله في كتابه هو عمل الدعوة وأقدارها ومسالكها لَمَا أخطأ، فإن القصص القرآني لَم يوضع إلا لهذا، وما تنوّع القصة الواحدة في القرآن إلا لنكشف للداعي عمله في كل نازلةٍ تقع له في هذا الطريق العظيم.
فهذا يونس (نهى الله رسوله مُحَمَّد (أن يفعل فعله فقال له: (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ? لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ? فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (وفعله قد