فهرس الكتاب
ذكره الله تعالى في سورة الصافات فقال: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ? إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (فهذا دليل خروجه من قومه بلا إذن، وهو الإباق، وفي هذه السورة؛ أي الأنبياء وصف الله سبب خروجه فقال: (إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا (فهو خروج النبيِّ الغاضب، وكون هذا العمل يتعلق بأعظم عمل في الوجود وهو الدعوة إلى الله فإن الذنب الذي يقع فيه ليس كغيره، والمذنب فيه ليس كغيره من المذنبين، ولذلك كانت هذه العقوبة الربانية العظيمة كما قال تعالى: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ? فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ? لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (وهكذا من يترك أمر الله تعالى في هذا الباب يعيش حائرًا تائهًا لا يصل إلى هدفه، لأنه بعيدٌ عن الطريق الموصل إليه، وفي وادي ليس هو المسلك الذي يحبه الله فيوفقه لمبتغاه، ومن تأمّل مسالك الناس اليوم في هذا الباب رأى اضطرابهم وتخبطهم، فإن طرقهم لَم توصل إلى النصر الذي يريدونه، بل هم مطايا غيرهم، مع أنهم يصابون في كل موقعةٍ بالبلاء لكنه بلاء ترك الهدى، لا بلاء طريق الهدى، فإن بلاء ترك الهدى يوصل إلى لا شيء، وبلاء طريق الهدى يوصل إلى هدف الأنبياء والصالحين وتحقيق النصر.
وقوله: (مُغَاضِبًا (فيه أقوال لأهل التفسير، هل خرج مغاضبًا لقومه أَم لربه، وليس من العلم الدخول في مضايق الخلاف بين الناس فيما لا طائل تحته، وفي ما لا خبر فيه عن الله ورسوله (، مع أن كل ما قالوه يوصل إلى علمٍ واحد وهو أن يونس (خرج من قومه خروجًا لا يحبه الله تعالى، ولم يَرضه منه، فعاقبه بما أخبر به ?، والطبري وقد رجّح أنه خرج مغاضبًا لربه شعر أنه بحاجةٍ لدفع التهمة عن نفسه في هذا الاختيار إذ فيه نوع شناعة على يونس (فقال:"وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبيّ الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه الذين قالوا: ذهب مغاضبًا لقومه، لأن ذهابه عن قومه مغاضبًا لهم، وقد أمره الله بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته ويحذرهم بأسه وعقوبته على تركهم الإيمان به والعمل بطاعته لا شكَّ أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان (أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويصفه بالصفة التي وصفه بها فيقول لنبيه: (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (ويقول: (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ? فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ? لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ("انتهى كلامه - رحمه الله -.
أمّا وقد ذكر الأمر فإني سأدلك على موطن الاضطراب في كلام الطبري - رحمه الله - تعالى، مع أن الكل عالةٌ عليه، فإنه - رحمه الله - ذكر في تفسير سورة يونس أن سبب رفع العذاب عن قوم يونس هو توبتهم وإيمانهم، ولَمّا اختار هنا سبب مغاضبة يونس لربه ? جعل السبب أن يونس (لَمّا أخبرهم بالعذاب فانتظروه فلمّا رأوا علاماته تابوا وآمنوا فرفع عنهم، فغضب يونس (أنه كذب بهذا الرفع، وهذا لا يُعقَل، فإنه لن يقول هو ولا قومه ولا أحد يعقل