فهرس الكتاب
أنه كذب وقد جاءت علامات ودلائل العذاب، وهي التي جعلت قومه يصدقونه فآمنوا وتابوا، فإن القوم صدقوه فكيف يقول: كُذِّبت برفع العذاب؟ أمّا قول الطبري - رحمه الله - إن قول القائلين خرج مغاضبًا لقومه ليس أدنى في التهمة من قوله: إنه خرج مغاضبًا لربه فغير صحيح، فإن خروجه مغاضبًا لربه اعتراضٌ صريحٌ على فعل الرب وتدبيره، وأمّا خروجه عن قومه فقد وقع، فقد يخرج ناسيًا الأمر بالمقام لشدّة غضبه عليهم، وقد يظن أن إخبار الله تعالى له بالعذاب يؤذن له الخروج، فأين هذه من تلك؟ بل إن قول القائل:"خرج مغاضبًا لربه"فيه تهمةٌ زائدةٌ عن ذلك كله، وهو غضبه لإيمان قومه الذي بسببه صرف العذاب عنهم، وهذا غير مُتخَيّل من نبيٍّ همّه وجهده إيمانهم.
ولذلك يُحمَد لابن كثير - رحمه الله - تعالى أنه لم يذكر في تفسيره إلا قول الضحّاك:"مغاضبًا لقومه"، فإنه من البيِّن لمن خبر طريق ابن كثير في تفسيره أنه كان يتجنب مضايق الخلاف التي ولجها الأقدمون، فإن الأقدمين كانوا يضعون كتبهم لأمثالهم من أهل العلم، وأمّا المتأخرون فكان علمهم بأهل زمانهم مؤذنًا بعزل ما يضيق به نظر أهل زمانهم، وهو من حكمة العلم وسياسته، مع أن الكثير من المتأخرين شغلوا بفضول العلم عن أصوله، وكثر فيهم ذكر الغرائب والضعيف، وتشوّقت نفوسهم إلى تقويتها بأدنى السبل مما لم يكن مرضيًا عند الأوائل. والقصد أن البعض يظن أن إطراح بعض أهل العلم لأمور هو من قبيل العجز عن معالجتها، وهذا خطأٌ في فهم مناهجهم في التصنيف، بل ظن بعض المتأخرين، وهم كثير، أن ما أدركه المتأخر لم يكن عند المتقدم، فتبجح أنه قوّى ما ضعفه أساطين العلم من أهل الفن، وهذا لعمر الحق من الجهل بعلم الاوائل، كما أنه من الجهل المركب في طرق تصنيفهم، وأكثر من ذلك جهل بطرق أحكامهم على المسائل.
واعلم أن هذا الكلام يقوله كاتبه لنفسه لا لغيره، لأَنه عاشه لما كان على سُنَن بعض المعاصرين، وقد رآه في الناس كما كان فيه، فاللهم غفرانك.
تنبيه: روى ابن جرير والبغوي وذكر ابن الجوزي عن سعيد أبي الحسن قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب، انطلق مغاضبا لربه، واستزله الشيطان، وقال ابن جرير في تفسيره عن يونس (:"وكان رجلًا في خلقه ضيق."وروى هذه اللفظة عن الحسن البصري، فلم يطعن أحد في دين هؤلاء، لا القائلين ولا الناقلين، لم يقل فيهم بدعوى التقوى: إن هذا سبٌّ للأنبياء، نعوذ بالله من هذه التهمة أن تُلصَق بعالمٍ من علماء الأُمَّة، ولكن في زمن التقوى الباردة، وبسبب ميزان الظلم لا الاعتدال الذي يحمله نُقّاد الرجال هذه الأيام يتهمون سيّد قُطب بسب موسى (ويكفرونه مُخلِّدينَ إياه في جهنم لأنه وصف خلق موسى (بخلقٍ هو من فطرة البشر التي تكون في