فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 198

لقد تَقَدَّمَ في بداية السورة قوله: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (فتاريخ البشرية لا ينتهي هنا، بل له امتدادٌ لِمَا بعد دمار العالم وخرابه وقيام الساعة، وهذا الامتداد هو مقصود هذا الوجود، والقرآن يعرض مشاهد وحوادث تاريخ العالم بعد دماره في هذه الآيات، ويكشف فيها مصير الطواغيت المعبودين من دين الله، ونهاية أمثال أصنام وهياكل قوم إبراهيم (، سواء كانوا من البشر أو الحجر أو التمر.

هذا المصير هو: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (، وهذه كقوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (فإن كانت الحجارة لنار الأرض أثافي لا تحترق، فإنها لجهنم التي أعدّها الله للكافرين وقود كالخشب والبشر، وفي هذه الآية بيان طريقة دخول هؤلاء جهنم، وهي الحصب، أي الرمي، فإنهم يلقون بها رميا كما قال تعالى: (أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَاتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (.

والمعبودات التي تلقى في جهنم ما كانت من غير الصالحين، فعيسى (وإن عبد من دون الله تعالى إلا أنه لبراءته من عبادتهم، ولدخوله في الصالحين، فإنه مستثنى من ذلك وقد ورد أن سبب نزول قوله تعالى في سورة الزخرف: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ? وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ? إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (أنه تفسيرٌ لهذه الآية، فإن عيسى (ليس واردًا في الآية لأن: (مَا (الواردة في هذه الآية من سورة الأنبياء لما لا يعقل، فعيسى (ليس داخلًا فيها، كذلك هذه الآية وردت لقريش، وقريش لم تكن تعبد المسيح (، فإيرادهم الاعتراض، أنه إن كانت آلهتهم داخلة جهنم فغيرها من المعبودات كعيسى داخلا فيها اعتراض باطل، ولذلك قال تعالى: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (.

وقوله: (لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا (حجةٌ قرآنيةٌ في إبطال ألوهية الأصنام، كما كانت حجة إبراهيم (بعدم نطقها، وقبل بعدم قدرتها بالدفاع عن نفسها على عدم ألوهيتها، فإن الذي لا يدفع عن نفسه لا يستحق أن يعبده ضعيف يحتاجه في الدفاع عن نفسه. وهذه مقابلةٌ بين الإله الحق الذي كانت أجَلُّ صفاته في هذه السورة نُّصرةَ عباده والمستغيثين به ودفاعه عنهم حتى تحقق مرادهم مع ضعفهم أمام خصومهم، وما أَلَمَّ بهم من أحوالٍ وآلام، أمّا آلهتهم الباطلة فهي لا تدفع عن نفسها في الدنيا ولا في الآخرة. وهذه الآية تُبيّن خلود هؤلاء الطواغيت وعُبّادهم في جهنم، وقد ورد الخلود الأبدي لهم في ثلاث آياتٍ في القرآن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت