فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 198

قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَائِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ? لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ ? لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [1] (

هذه الصورة المقابلة لِمَا سيقع في خاتمة الكتاب بعد دمار العالَم وقيام الساعة، وهي تعرض حياة المؤمنين وحالهم عند القيام من القبور، وهذا الكلام يعلم القارئ أن متكلمه إله عظيم، ولا إله سواه، فإنه خطاب الاستعلاء، فإنه حين يذكر عطاءه عليهم يوم القيامة إنما يذكر سبحانه أن الأمر كان في الأزل أمره، وأن الاجتباء كان منه جلَّ في علاه لهؤلاء المؤمنين، فإنه سبحانه هو الذي سبقت منه الحسنى لهم، فما فعلوه في حياتهم الدنيا إنما هو بما سبق في علمه وإرادته من تقدير عمل الصالحات لهم، فهو صاحب الأمر ابتداءً، وهو مجريه على عينه حين وقوعه، وهو المنعم به في خاتمة الأمر، فهو الإله الحق، وهو في هذا الخطاب لا يعرض حال المؤمنين فقط، بل يعرض فعل إلههم الحق كذلك، لأن الصورة السابقة هي عرضٌ للآلهة الباطلة وعابديها، وهؤلاء الذين سبقت لهم الحسنى هم أولئك الذين عرض الله أحوالهم من الأنبياء - عليهم السلام -، ومن هم على هديهم وطريقتهم.

والقرآن يعرض أن أعظم النعم عليهم هو بعدهم عن جهنم، وهذه لعمر الله أعظم النعم، فإن حق العباد على الله إن عبدوه أن لا يعذبهم، وأمّا الجنة فهي زيادةٌ على هذا الحق كما قال تعالى: (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (، ولذلك لا يدخل أحد الجنة بعمله كما قال رسول الله (.

وقال بعض أهل العلم هذه الآية استثناء، ذلك بأن الله ذكر في الآية السابقة دخول الآلهة الباطلة جهنم، وقد عبد عيسى وعزير سدد خطاكم وغيرهما، فاستثنوا هؤلاء بهذه الآية، وهو معنى صحيح يدخل في هذه الآية، وإن كانت أعم من ذلك كما ترى.

وقوله تعالى: (أُولَائِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ? لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا (هو حالهم بعد دخول الجنة، وأمّا قبل ذلك فالله يقول: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (وهذا الذي فَسّره ابن عباس - رضي الله عنهما -.

وقوله تعالى: (وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (وذلك لبيان اتصال النعيم عليهم، فلا يقطع ولا يتحول.

(1) الأنبياء: 101 - 103

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت