فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 198

وقوله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ (أي عند قيامهم من القبور بالنفخة الثانية، وذلك لما عاينوا من النعيم في القبر، فهم يعلمون أنهم صائرون إلى منازلهم في الجنة، ثم لقوله تعالى: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (فاستقبال الملائكة لهم بالبشرى تدفع عنهم الخوف، والله يقول: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (.

قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [1] (

يخبرنا الله تعالى عن نهاية هذا العالَم، وعما سيؤول إليه، وكيف هي سُنّته في هذا الانتهاء، فهذا خبر السماء يوم القيامة، فالله يطويها، وهذا دليل على أنها رقعة مبسوطة، وذلك خلاف الأرض التي يقبضها مما يدل على أنها مهمته، والمقصود بالسماء هنا هي طبقاتها السبعة، وهي معمورة بالملائكة، وقبل هذا الطي يحصل انشقاقها كما قال تعالى: (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (وقوله: (فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (، وقوله: (وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (وقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا (وهذا الانشقاق يزيد معنى ما تَقَدَّم أن السماء رقعة منبسطة، والآية السابقة في سورة الرحمن وهي قوله تعالى: (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (هي كقوله تعالى في سورة المعارج: (يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (. فالسماء إذا تنشق، ثم يطويها ربُّ العزّة سبحانه بيده، فحين ذلك يقبضها هي والأرض بيمينه كما في حديث ابن عُمَر - رضي الله عنهما:(( يَطْوِي اللَّهُ ? السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَاخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ) ). وعود السماء على هذه الشاكلة من القبض بعد الطي هو حالها عند ما خلقها الله تعالى، مما يدل أنها كانت قطعة واحدة، وهذا الذي تقدم ذكره في السورة في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا (.

وقوله تعالى: (كَمَا بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ (عامٌ في كُلِّ ما خلق، فإن الإنسان خُلِقَ من تراب ثم يعود كما كان ويبلى منه كل شيء إلا عجب الذنب، وكذلك ما ذكره الله من اتساع الكون بقوله: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [2] فإن هذا الاتساع يتوقف، ثم يعود كل شيء كما كان من قبل الاتساع، بل وقبل الفتق.

(1) الأنبياء: 104

(2) الذاريات: 47

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت