فهرس الكتاب
وقوله تعالى: (يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (هذا هو الوصف الجامع للشخصية القرآنية الوارثة: (الصَّالِحُونَ (وهو لفظٌ جامع لقيم القرآن العلمية والعملية، وأول خصالها صلاح أحوالها وأعمالها وأقوالها مع الله تعالى. والوراثة استحقاق فهي ليست منحةٌ بلا معاناة، وليست عطاءً بلا مدافعة، بل هي صراعٌ ومغالبة، فلا تقع إلا بإزاحة الآخر، وسبيلها الجهاد في سبيل الله تعالى، ولذلك فأول وصف للصلاح في باب الوراثة هو وجود الاستحقاق لهذه الوراثة، وهي تحصيل القوة اللازمة لتحقيق النسب، وذكر الزبور هنا دون غيره لأنه كتاب نبي ملك، له سلطان وقوة، وقد علمت أن داوُد (إنما حصل له الملك، واستحق الوراثة بقتله جالوت، فالإمامة في هذا الباب من الوراثة هذا سبيلها، ولا يتحقق وصف العبادة الوارثة إلا بالقوة اللازمة لها، وبالطريق السُنَني الذي جعله الله سبيلًا لهذا الهدف.
قوله تعالى: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (فإذا كانت العبادة سبيلًا لوراثة الأرض والخلافة، فإن علم هذا القرآن كذلك لا يكون إلا للعابدين كذلك، فالعبادة هي السبيل الصالح لتحصيل الخلافة والعلم. فإن معاني هذا القرآن، وعلومه، وحصول البلاغ في القلوب لا يكون إلا لأهل العبادة، والله يقول: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (فهذا القرآن لا ينتفع به إلا أهله، وأمّا غيرهم فهم في عمى عنه.
وهذا المعنى، وهو سبيل الوراثة، هو أخفى علوم هذا القرآن، وما هذه القصص القرآنية لحياة الأنبياء وأتباعهم، والتي تفصل دقائق عمل الدعوة في كل جوانبها، وتفصل حياة النبي (مع قومه، في الدعوة والجهاد، إلا من أجل تحقيق البلاغ لهؤلاء المهتدين بالقرآن، فإن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله هي حياة هؤلاء العابدين، لا عمل لهم سواها، وحين تأتي الجوانب الفطرية لهؤلاء البشر من معايش وشؤون إنما تأتي على هوامش هذه الحياة، لا صلبها، وحين تذكر شؤون أعمالهم فلا ينوه ولا يبرز إلا ما كان عملًا مهم في هذا السبيل كما ذكر عن داوُد (وعمله في تطوير وصناعة السابغات، ودقة صنعته في ذلك، فهذه حياة أهل القرآن، يسيرون في الأرض عبادًا لله، داعين إلى توحيده، وإلى التزام شريعته، آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، وحين تقوم قائمة الشر وجودًا ماديًا ظاهرًا فإن رشد إبراهيم (سبيلهم، وهم في هذا لا يهتدون إلا بالقرآن، فهو دليلهم، ونماذج الأنبياء صواهم التي يهتدون بها، فلا يقارعون إلا الطواغيت الكبار، مع علمهم أن أتباعهم هم فقراء الناس ومساكينهم، وفي كل خطواتهم يأبون إلا التوحيد التام، والثبات على القيم التي يبدؤون بها، لأنهم يعلمون أنه كلما تقدمت خطواتهم نحو أهدافهم بالنصر والتمكين، زاد البلاء عذابًا وإغراءً كذلك، فإن حصل هذا فهو مؤذن بقرب الفرج.