فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 198

وقوله تعالى: (لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (فهذا كتاب عمل لا كتاب متعة واستطلاع، فهو كتاب العابدين، وهؤلاء ممن تقل كلماتهم وتكثر أعمالهم، ومن يراعون أمر الله لا أمر غيره، سيرتهم سيرة موسى (حين طلب من ربه هارون معاونا له فقال: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ? وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (فألسنتهم رطبةٌ بذكر الله، ولياليهم مضيئةٌ بقراءة القرآن، فهم على وصف القرآن: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (وحين يسيرون لا يخطون خطوة إلا بدعاء: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ? وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (و (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (.

أمّا هؤلاء الذين يظنون أن العالم والدين والوجود مجرد كلماتٍ كبيرةٍ تتشدّق بها أفواههم، فألسنتهم أطول من حجم الأرض، فإن دعوا لصلاة جماعة زفروا متأففين، ولا يأتون القرآن إلا هجرًا، ولا يذكرون الله إلا قليلًا، لا تتحمّر وجوههم للمعاصي التي في بيوتهم وفي أموالهم وفي أبدانهم فهؤلاء ليسوا أهل القرآن، ولا هم رجال التغيير، ولا هم أصحاب وراثة الأرض، فأبنية الإيمان لا يصنعها إلا من كان الإيمان وأعماله بناءً في حياتهم وألسنتهم وقلوبهم، وفي سرهم وعلانيتهم.

قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [1] (

لقد مضى أمر الأنبياء على ما رأيت من أخبارهم، فلما جاء ذكر الحبيب (كان ذكره على هذا التعظيم والتكريم، فهو رحمةً للعالمين، رحمةٌ من كل بابٍ يعرفها الناس في أحوالهم، فهو الذي كان وجوده مانعًا من إنزال العذاب على الناس كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (وهو رحمة بأبي هو وأمي ما أرحمه حين ادخر دعاءه إلى يوم القيامة، فإن كل نبيِّ أُعطيَّ دعوةً مستجابةً قد مضت، وهو قد ادخرها ليوم القيامة، كما قال (، وهو الرحمة العظيمة التي حصل بها خروج الناس من الظلمات إلى النور، وهو الرحمة الذي أنزل عليه كتاب الله وكلامه ليكون هاديًا لهم، وهو الرحمة الذي بذل نفسه وماله ووقته صابرا على الناس حتى دخلوا في دين الله أفواجًا، وهو الرحمة الذي سيمتد الوجود باقيًا ما بقي دينه على الأرض، وهو الرحمة الذي لا يسأل ربه يوم القيامة ما يسأله الناس من قولهم نفسي، نفسي؛ بل سيكون دعاؤه: أُمّتيـ أُمّتي، وهو الرحمة الذي راجع ربه ? حتى تكون الصلاة خمسًا في العمل، خمسينَ في الأجر شفقةً عليهم، وهو الرحمة الذي لو أتيتها من كل باب لوجدته مقيمًا هناك، فصلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.

(1) الأنبياء: 107

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت