فهرس الكتاب
فهذا هو أسوة المهتدين بالقرآن، يرقبون إرشاده وهديه، ويتقفرون قوله وعمله، لأنهم يعلمون أنه القرآن عملا كما قالت أمنا الصديقة - رضي الله عنها:"كان خلقه القرآن"، فإن هداية القرآن لا تتحقق إلا بالدخول في هديه، وامتثال أسوته ونموذجه في كل عمله، فهو الأسوة الجامعة لهذه الكلمات المتقدمة: (الصَّالِحُونَ (و (عَابِدِينَ (، فلا صلاح ولا عبادة إلا ما كان منه (، ولا تحقيق لوراثة الأرض إلا بالسير على طريقه، فهو الصابر على أمر الله حتى تحقق له ما يريد، وكان أن دخل الناس في دين الله تعالى أفواجًا بلا مداهنة، ولا ركون، ولا تبديل، وكانت حياته التي وصفها بقوله:(( وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ) )هي نموذج الوارث الذي لا يريد فيها علوًا في الأرض ولا فسادًا.
إنه الأسوة الكاملة لتحقيق قوله: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمْ الْوَعْد (حين يشد على أمر الله صابرًا، وحين يثبث على دعوته متيقنًا، فلا التفات إلى عروض الجاهلية، ولا ميل لكثرةٍ بلا هدى، ولا تجميعًا بلا دينٍ وتقوى، بل هي الصناعة الفريدة للقلة التي تقود التاريخ، وتنضوي تحت لواءها الجموع تابعة لا مسيرة، فلا مشاركة لجاهلية، لأن هداية هذا النبي في الوراثة والتمكين تعني أن الأُمَّة الوارثة هي أُمَّة الإيمان، وأن التمكين مراده تحقيق قيم الحق وعبادة الله وحكم شرعه سواه، فهذه رايتها دون رايات الجاهلية الأخرى التي ترفعها كل الدعوات الأخرى مقابل راية القرآن.
إنه رحمةً للعالمين لأن الخاتمة لهم إن اتبعوه هي جنة الرضوان، والنعيم الذي لا انقطاع له، والدخول في الرضا الإلهي، وهي رحمة الطبيب الذي يمنع، والأب الذي يعاقب، والصاحب الذي ينصح، فهي رحمة الهداية لا رحمة الجاهلية الذين يظنون أن الرحمة أن تجعل كل شيء مباحًا، وكل ما تشتهيه النفس حلالًا، وكل ما ترتاح له النفس مقدورًا عليه، فهذه رحمة تورث ذلًا وجهلًا وكسلًا ودمارًا، وهي رحمة أهل الضلالة ممن ينسبون له ما لَم يقله من تحليل الحرام، وترك الجهاد لمشقته، وتغيير الطريق لصعوبتها.
إنه رحمةً للعالمين لأنه يقف دافعًا ومحذرًا الفراش من السقوط في النار كما وصف نفسه، فإن الفراش جاهل غبي، يأتي النار على أنها حياته ونوره، وهي هلاكه وحتفه، فيدفعها الرحيم (، فيجهل الفراش عليه، ويقول فيه الأقاويل أنه قاس وشديد، ودينه دين الغلظة والعقوبة، فيتحايل كل التحايل لينفذ من موانعه، ثم: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (.