فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 198

فصلى الله عليه وسلم صلاةً دائمةً لا تنتهي، وصلى الله على آله الطيبين الطاهرين، وصلى الله على صحبه خيار الوجود بعد الأنبياء، وصلى الله على أتباعه السائرين على درب هدايته.

قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [1] (

هذا تذكيرٌ أن هذا النبي العظيم على سُنَن إخوانه الأنبياء كما تَقَدَّم في هذه السورة في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (، فالدين عند الله واحد، ولا يكون الدين كذلك إلا ما كان وحيًا من الله تعالى، وهذا الرسول (متبع لما يوحى، وليس قائلًا لأمرٍ من جهة نفسه، بل كما قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ? لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ? ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ? فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (، ولينظر في هذا الوعيد العظيم الذي يفتون، ويخبرون الناس حكم الله تعالى، فإن المفتي إنما يبلغ الناس ما يحب الله وما يكره، لا ما يحب هو وما يكره، فهل ينظر هؤلاء إلى ما يقولون: هل يحقق عبودية الله؟ وهل هو من توحيد الله وإخلاص الأمر له؟ هل يرضى الله تعالى أن يُشرَكَ به، وأن يجعل دينه واحدًا من كثير يؤخذ منه ويترك؟ هل توحيد الله يتحقق في جعل كتابه وسُنّة رسوله (يخلط مع غيره من أهواء البشر وزبالاتهم؟

أمّا أنتم أيها الدعاة، فليس لكم من الأمر شيء، فما عليكم إلا أن تبلغوا ما أوحى الله به إلى رسوله (، رضيه الناس أَم أبغضوه، عاداكم الناس أَم قربوكم، استجابوا لكم أَم أعرضوا عنكم، عَلِّموا الناس أنكم عبيدُ لله، ولا تتحقق لكم السعادة في الدنيا والآخرة إلا أن تعبدوه وحده، تصلون وتزكون وتصومون وتحجون، وتكفرون بكل معبودٍ سواه، وتجعلون كل حياتكم له وحده، وتخضعون كل أموركم لأوامره وأحكامه.

بهذا تكونون مسلمين له ?، فإن نازعتم في شيء من ذلك كله لم تكونوا إلا عبادًا لغيره من الأصنام والطواغيت، فيا أيها الدعاة؛ إن التوحيد الذي يحقق قوله تعالى: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (حكم يدخل في كل الحياة، وفي كل أزمانها، وإن زمنكم اليوم قد نازع الزنادقة والمجرمون هذا الحكم، ودعوكم إلى الدخول في دينهم، فاستجاب منكم من استجاب تحت باب الالتقاء على كلمة غير كلمة التوحيد، وعلى منهج غير منهج عبادة الله وحده، فماذا جنيتم، هل اتخذوكم أخلاء يمدحونكم أنكم على دينهم، وهل اغتنيتم بالبسمات التي يلاقونكم بها، وهل زادكم هذا كله قربًا لله تعالى؟ نعم، لقد قدموكم أنكم غير متشددين وغير متعصبين، فهل أفرحكم هذا؟

(1) الأنبياء: 108

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت