فهرس الكتاب
إن العالم اليوم ككل أزمان التاريخ لا يصلحه إلا منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله تعالى، فالمسلمون حالهم كحال بني إسرائيل في خضوعهم لفرعون، فهلا قمتم بعمل موسى وهارون سدد خطاكم في إخراجهم من عبودية الطواغيت؟ وإن المسلمين مع حالهم في أكل الربا وتحليله كحال قوم لوط في إباحة إتيان الذكران من العالمين، فهلا قمتم بعمل لوط (في إنذار أقوامكم؟
فيا أيها الدعاة: أخرجوا الناس من عبادة الطواغيت، واعلموا أنه لا تصحُّ دعوتكم حتى تخرجوا أنتم من ركابهم ومن اتخاذكم مطايا لهم تبررون لهم إجرامهم وتزورون على الناس دينهم. إنها ساحة الأنبياء التي ما زالت مفتوحة مع اتباع هذا النبي العظيم ليحققوا هذه الآية: (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (.
وإنها لآيةٌ تدعوكم بكل جلاء؛ إياكم بأن تجعلوا مع الله إلهًا آخر، وإياكم أن تجعلوا مع كتابه وسُنّة رسوله شريعةً أخرى، وإياكم أن تركنوا لغيره، بل قولوا مقالة إمام الحنفاء (: (أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (وأعلموهم حكمهم في الآخرة: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (.
اصبروا على دعوتكم: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (، فإن قالو لكم: نعم إسلام وغيره، فقولوا لهم قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ [1]
إنها المفاصلة، لا قبول عرض المشاركة، ولا قبول التنازل، فإمّا أن يعبد الله وحده وإمّا (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (قال ابن كثير - رحمه الله:"أي أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريءٌ منكم كما أنتم برآء مني."يقول ابن جرير - رحمه الله:"أعلمهم أنك وهم على علم من أن بعضكم لبعض حرب، لا صلح بينكم ولا سلم."
فهذا دين مُحَمَّد (، وهذا حكم القرآن في كل زمان، إمّا توحيد الله تعالى وإمّا (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (.
إذًا هي المفاصلة القرآنية في الموقف، فلا يجوز الالتقاء على ما يسمونه منتصف الطريق أو بعضه، فهذه ليست حقوق شخصية، ولا هي آراء ذاتية، بل هي المفاصلة بين الحق والباطل، بين الهدى والضلالة، بين النور والظلمة،
(1) الأنبياء: 109