فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 198

فالأمر أمر دين، هو كلمة الله وهو ما يحبه ?، وغير ذلك هي زبالات البشر وما يكرهه الله، فكيف يصح أن يجتمع هذان النقيضان؟

إنه شعار القرآن: (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (، يدعو نبينا مُحَمَّد (بأن يعلمه للناس منذ أول الدعوة، فهذه سورةٌ مكية، ففقه الاستضعاف يجيز لك التخفي والتستر، لكن لا يجيز لك أن تجعل الحق باطلًا، ولا الباطل حقًا، فالمبادئ ليست عرضةً للظروف، ولا مجال مساومة، وأيُّ مبادئ؟ أنها أعظم قضايا الوجود، وما خلقت السماوات والأرض إلا من أجلها: إنها كلمة التوحيد، ومنهج التوحيد.

يقولون: جازَ لك أن لا تعمل بالهدي الظاهر وقت الاستضعاف، وجازَ لك أن تترك ما يشق عليه سلوكه مخافة المحنة، كل ذلك تحتمله النصوص، وقال بعض أهل العلم، لكن من أين لهم القول: جازَ للمسلم في وقتٍ من الأوقات، وفي ظرفٍ من الظروف أن يقول بجواز عبادة غير الله تعالى، وأن يجعل ذلك مشروعًا، بل أن يمدح هذا التشريع ويُجعَل من هدي القرآن والسُنّة؟

إن القائلين بهذا التزوير قد كثروا في هذا الزمان، وجهلوا أعظم ما بعث به الرسل، وأجلى وأوضح مما نص عليه القرآن: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ? لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (هذا هو المنهج القرآني، وهو الذي سلكه كل الأنبياء، وهو سُنّة النبي (في الدعوة إلى توحيد الله وتحكيم شرعه صافيا خالصا بلا شوائب، إنه (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (.

فإمّا التوحيد أو الشرك، وفي هذه الثنائية لا اشتراك، ولا مناصفة، ولا نسبيته، وحين يكون الأمر كذلك تكون المواقف العملية كذلك، وأمّا في غير هذا فخوضوا كما تحبون، وقدّروا للصالح قدرها كما تشتهون، وتخففوا من الأحمال على ما ترون من الوسع والطاقة، فالمبدأ الذي لا محيد عنه: (اعْبُدُوا اللهَ وَحدَهُ (فلا احتكام إلا إلى شرعه، ولا حق إلا ما في الكتاب والسُنّة، ولا دين صحيح في الوجود إلا الإسلام، وكل ما سوى ذلك باطل في نفسه، مورد لأهله الهلكة في الدنيا والآخرة.

وحين يقف الدعاة هذا الموقف، ويحاربون في زمن ضعفهم بالإيذاء والتحريق والسجن والتقتيل، فإنهم يحققون سُنّة السابقين، فإن هذا الموقف سيغضب عليهم من أقطارها، ولن يكون هناك مجالٌ للتفريق بين متشددٍ ومعتدل، ولا بين إرهابيٍّ ومسالم، لأن هذا الموقف الإيماني مع الاستضعاف بلا قوةٍ وسلاح هو موقف جهادٍ وبراء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت