فهرس الكتاب
والشيطان يدرك بخبثه أن هذا لا يصلح معه إلا الحرب بلا هوادة، والملاحقة حتى التحطيم، ومن هذا المبتدأ تسير رحلة الإيمان لتحقق في خاتمة المطاف الوعد القرآني: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمْ الْوَعْد (، فإن هذا الوعد العظيم له سبيله الوحيد، وهو منهج القرآن ومنهج الأنبياء: (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (، فالبداية الصالحة توصل إلى الأهداف العظيمة، وما بينهما هي رحلة الصبر واليقين، والتحمّل والثبات، والابتلاء والآلام، لكنها طريق الحق الذي يحبه الله ويحقق لأهله مرادهم.
ومع هذه البداية التي يعلن فيها أهل القرآن وأولياء الرحمن أنهم سينتصرون، وأن خصومهم سيهزمون، وهي بدايات لن تجابه قبل هؤلاء الخصوم، إلا بالاستهزاء، والتساؤل التاريخي لهم: متى هو، وسيكون الجواب القرآني حاضرًا: (وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (، فهذا من اختصاص العلم الإلهي، وأمّا أنا فليس لي من الأمر شيء، فالداعي عبدٌ متبع، وحركة التاريخ تصنع من خلال المكر الإلهي بهؤلاء الطواغيت، وبالرعاية الإلهية لهؤلاء المستضعفين، وبعد حين، وهو لا بُدَّ آتٍ إن وجدت هذه المعادلة سيتحقق قوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (.
إن مشروع الجهاد الذي وصل إلى حدّه النهائي في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ (وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (إنما بدأت بهذا الإعلان القرآني: (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (وقد فهم الوجود كله أمر هذه النبتة الطيبة من أول يوم، فلم يفاجؤوا بتغيير المسار كما يريد بعضهم اليوم، إذ يقولون: قولوا قولًا زمن الاستضعاف ثم غيّره في زمن الغلبة تحت أسماء الحكمة المزعومة.
إن هذا لا يصلح لدين الله، ولا يصلح مع أهل الحق الذين جاؤوا للوجود لتحقيق الرحمة كما هو شأن رسولهم (، وهم سيدفعون ثمن كلمة الحق في الإبتداء حين الضعف، لكنهم سيأخذون النصر ولن يلاموا يوم هذا الاستحقاق، فهكذا بدؤوا، وهكذا سمع الناس منهم ذلك في بداية الطريق: إمّا الإسلام وإمّا: (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ (.
نعم، منذ الابتداء قالوا: مع التوحيد وتحكيم شرع الله، والحكم على الآخر من غير المسلم بالكفر لا مشاركة ولا مناصفة، فقالت الجموع عنهم: متعصبون، منغلقون، مجانين، وجاءت كل الجموع الشيطانية بحكايتها في القرآن عليهم: