فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 198

وقوله تعالى: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ [1] (

نعم والله، إنها رحلةٌ شاقة، وستعرض على النفوس كل يوم عشرات الواردات، فالسالكون قلة، والمخالفون كثرة، وكل يوم يعاني هؤلاء السالكون حصارا وتغييبا، وإبعادا وإيلاما، وكأن الوجود لا يهتم بوجودهم، إذ الأضواء على هؤلاء: «المعتدلين» الذين قبلوا عروض الجاهلية، فألصقت بهم كل صفات الحسن والجمال، وقدموا بأوصاف الإنسانية المحببة، وأمّا هؤلاء الذين يمشون على قاعدة القرآن وطريق الرسل فلهم السجن والتغييب والعذاب، كما لهم الاستهزاء والتقريع واللوم.

فهل تسكت النفوس عن هديرها، وما الذي سيقمع هذا الإنسان الضعيف الساكن في الجنبات؟

إنها هذه الكلمات الربانية: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (؛ فهذا التدبير تدبيره، وكل شيء تحت إرادته، فهو العليم بكل شيء، ما أظهره الناس وما أخفوه، فالمؤمن يقلب نظره في السماء باكيًا شاكيًا متألمًا: متى هو؟

ويضعف حينًا فتنتشله آيات القرآن: (لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ (، وتركض النفس هائجةً هناك لتركض للمعروض فتردها: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاك لَقَدْ كِدْت تَرْكَن إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (.

وتنادي الكلمات في جوف الليالي ربها: (انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (.

فهي تعلن وتسر، والله: (يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (.

وهناك حيث الشر والطاغوت يعلنون ويسرون، ويمكرون سرًا وجهرًا، والله: (يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (.

(1) الأنبياء: 110

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت