فهرس الكتاب
ومن هذين الموقفين تتحقق حكمة الله في الوجود، حيث يكون التدافع ويتحقق الوعد على هؤلاء البشر الضعفاء.
قوله تعالى: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [1] (
ما بين النذارة في كلماتها الأولى، إلى تحقق الوعد تمضي جموع المعرضين على الوجه الذي تكشفه هذه الآية، فكل ما سيجري لهم إن لم تكن الهداية هي فتنة، فينعمون فيها قليلًا بسبب غفلتهم لكنها إلى حين، ثم إمّا العذاب وإمّا الساعة.
وهذا كله لحكمة الله وعلمه، وأما أنا فلا أدري كل شيء، ولا أستطيع أن أُفَسّر كل حدث، فما شأني فيكم إلا امثتال أمر الله كما قال تعالى عنه: (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (، وخلال هذه المتعة يزيد الاستهزاء، ويزيد التساؤل المنكر: أين ما وعدتنا به؟
والداعي لا يملك إلا أن يجيب: (وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ (.
أمّا تفسير لماذا تمتعون وأنتم معرضون، فهذا أمر الله تعالى، فإن قوما منع عنهم العذاب لتحقق إيمانهم بعد ذلك كما قال الله عن حوازن بعد حنين: (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (أَم أنه زيادة ابتلاء على المؤمنين لخير لهم في كشف الضعفاء وعزلهم، ولرفع الدرجات لحصول الاستحقاق بالنصر، أم لتنهك المتع جنباتكم فيسهل القضاء عليكم رحمة بالمؤمنين، كل ذلك في علم الله تعالى.
لكن وعد الله تعالى سيأتي، ولا تكونوا كالذي قال الله عنهم: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (وفي هذه الآية إرشاد رباني للمؤمنين أن لا يتألوا على الله بتغيير مراده في الأمر، فإنهم يستطيعون إدراك فعل البشر ومقاصدهم بالنظر إلى القرائن، لكن التألّي على الله كذب عليه، والقرآن الكريم بين مقاصد متعددة في صرف الأمور التي يرغب بها المؤمنون، ولا يكون مراد المؤمنين موافقا لحكمة الله في الفعل ومن ذلك حادثة غزوة الحديبية كما تذكرها سورة
(1) الأنبياء: 111