فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 198

القليل، ولو حضر بعض المتكلمين اليوم تلك الأيام لقالوا الكثير، ولطلبوا التغيير، ولاجتهدوا في وضع الحلول الشخصية منذ السنة الأولى أو الثانية أو الثالثة، ولجعلوا الدعوة إلى الله نهبًا لأفكارهم زعمًا أن هذا الطريق لم يوصل لشيء كثير، ولكن كانت رحمة الله بالهجرة، وحصل الدفق والعطاء الإلهيين في مدة هي أقل من مدة الصبر، فإن فترة مكّة على حالٍ واحد كان أطول زمنًا من كل أحداث المدينة على تنوعها وغناها، لكن هذا التنوع والغنى لم يكن ليكون لولا هذه الفترة المباركة المكية، والتي أرست قواعد البناء، فإن القواعد أشقُّ وأصعب في البناء من التوابع.

ونحن نرى في زماننا أقوامًا صبروا وصبروا ثم آلَ بهم الأمر إلى اليأس، فغيّروا وبدّلوا وزعموا أن دينًا جديدًا قد ظهر لهم غير ما كانو عليه، فما هي إلا أيام حتى فتح الله الخير، وأظهر الوعد، وكشف ما كانوا يحبون، فبعضهم ندم وآب إلى ما كان عليه، وبعضهم أخذته العزة بالإثم فأصرَّ على ضلاله وسار بعيدًا عن طريق الهدى والحق.

لقد كان الوعد كامنًا منذ أول يوم، ومنصوبًا منذ اللحظة الأولى والكلمة الأولى، يخبرهم به رسول الله (كما في حديث خباب ? وهم يقرؤون في كتاب الله كما في هذه السورة، ولم يقع هذا الوعد بعد يوم ولا يومين، بل بعد ثلاثة عشر سنة، عاشوا خلالها القتل كما وقع لسمية وياسر - رضي الله عنهما -، والهجرة تلو الهجرة كما وقع لأهل الحبشة، والذهاب إلى الطائف، والحصار والتجويع، والتحريق، واليوم يريد الجاهل أن يقرأ الوعد اليوم ليراه غدًا، ويرى الرؤيا الصالحة فيصحو من نومه ليجدها أمام عينيه، فيا لله كم جهل الناس حكمة القرآن، وسُنّة الوعد، ولولا رحمة الله تعالى بهذا الدين لما رأيت إلا ظهورًا معرضة، وركائب منهزمة قد زعمت أن ما كانت عليه لم يكن هو الدين الذي تعرفه اليوم، فإن دين الأمس كان فيه الشهادة والدماء، والسجن والهجرة، والآلام والخوف، أمّا الذي اكتشفوه اليوم فهو دين المشاركة ومصالحة الجاهلية ومداهنة الطاغوت، والاعتذار عن التوحيد، والنكوص عن رشد إبراهيم (.

ليتمتع الكفرة زمن، وليعيش أيامه، فما هي إلا سُنّة التداول، وأهل الغربة الثانية يعيشون الوعد بين جنباتهم وأنه قادم، لأنه كلمة الله، وليسمها الجاهلون كل أسماء الطيش والاستهزاء، وليذهب عن هذا السبيل من لا يأتي القرآن إلا هجرًا، ولا يفقه منه إلا كما قال تعالى عن بني إسرائيل في فهم كتابهم: (لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (وليفرح الجاهل بالجموع الصارخة، وبكلمات الرضا من أهل الشرك والردّة، وليتحالفوا معهم ضد عصبة الإيمان، وليسوقوا لهم كلماتهم الضالة، فما هي إلا لحظات متعة، وأيام خداع يعيشونها، وسيأتي الوعد الحق جارفًا كل زبالات الجاهلية، وكل سلطانها، وستفتح أبواب الشهادة في كل الصعد، وخصوصًا صعيد الأرض المباركة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت