فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 198

وأكناف بيت المقدس، وستسيل كتائب الإيمان من كل حدبٍ ليقاتل آخرها المسيح الدجال مع إمامهم قبل نزول عيسى (، لأن عيسى (هو مِسك ختام هذه العصبة الصابرة.

قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَانُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [1] (

هذه عدة هذه العصبة، وهي كلماتها خلال فترة الابتلاء لهم والمتعة لخصومهم، فالله سيحكم بيننا وبينكم، وحكمه الحق، وهو الحكم الذي سيحقق نصره لهؤلاء المساكين، وقد قال قَتادة: أن النبي (كان إذا شهد قتالًا قال: (رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ (، فهي كلمات أهل الإيمان دعاءً لربهم زمن البلاء، وزمن المحن، وعند اللقاء، دعاءً يرجون به ربهم أن يحق الحق الذي أحقه يوم بدر: (لِيُحِقّ الْحَقّ وَيُبْطِل الْبَاطِل (.

والله ? كل حكمه حق، فعند الاستضعاف له حكمة جلَّ في علاه، وعند الغلبة والنصر له حكمة، ولا يقع جلَّ في علاه إلا الحق، ولكن العبرة بوجود أهل الحق ليقع لهم إحقاق الحق الذي يتم فيه نصرهم وهزيمة أعدائهم.

قد تطول أيام دعائهم: (رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ (وقد تقصر، لكن لن ييأسوا من ترديدها، بل كلما طال الزمن يعني اقتراب الوعد لا بعده، وهم اليوم يقولونها رجاءً، وسيرونها واقعًا حين يحلُّ العذابُ على أعداء الله وأعداء دينه ورسله، فالحق في هذا الباب ليس هو الشرع ولكنه القَدَر الذي يكون فيه انتصار أوليائه وهزيمة أعدائه، وهذا مصداق قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُوله بِالْهُدَى وَدِين الْحَقّ لِيُظْهِرهُ عَلَى الدِّين كُلّه وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (فإن الحق في معناه لا يكون كذلك إلا ووقوع قدره بالنصر في الخاتمة، ذلك بأن الحق ليس معنى نفسي قيمي فقط، لكنه معنى وجودي يتمثل برجال وطائفة وقوة وعدو، ولا تكون العاقبة إلا له على وجه يعلم الوجود كله أن هذا الأمر مرعي بالغيب، وحين يتحقق لأهله النصر فإنهم يعلمون علم اليقين أن الله فاعله، فلا يقولون إلا ما قال إمامهم يوم فتح مكة: نَصَرَ عَبْدَهُ وَاَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الأحْزابَ وَحْدَهُ. يقول ابن عباس:"لا يحكم بالحق إلا الله، ولكن إنما استعجل بذلك في الدنيا، يسأل ربه على قومه"، ذلك بأن النصر في الدنيا هو كرامة زائدة كما قال تعال: (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْر مِنْ اللَّه وَفَتْح قَرِيب (. أمّا تكذيبكم للوعد، واستهزاؤكم به وبأهله ووصفهم أوصاف الباطل من الجنون والغرور وغير ذلك فلا يرد عليه إلا بقوله تعالى: (وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (.

(1) الأنبياء: 112

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت