سبحانه: (مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (وليعلم سبحانه: (مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ (يكون للكون مَقصَدٌ ربّانيٌّ جليل.
وحين يجعل الجاهلون أمر الحياة مجرد زيادة المتعة والرفاهية، ويغيبون معالم الإيمان في التدافع والحب والبراء، يصبح الوجود مجرد لهو وعبث لا قيمة له، يأكل الناس فيه ويلهون ثم لا شيء، إذ أن هذا الوجود على هذا المعنى لا يستحق جنة ولا نار، كما لا ضرورة فيه لبعث الرسل وإنزال الكتب، ولا أهمية لشرائع الله وأحكامه. فالوجود يكتسب معناه حين يحقق أهله فيه مقصد الله منه، والمقصد منه هو خاتمة الإنسان في الجنان أو النيران، ووسيلة ذلك العمل بطاعته، فيبتلى المؤمن بالكافر كما قال الله لرسوله (في الحديث القدسي: إِنِّي مُبْتَلِيك وَمُبْتَلٍ بِك، فيمتحن الإيمان، ويصطف الناس فيه على جنبيه كما قال سبحانه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ (فيحرض الله المؤمنين على الكافرين كما قال الله لرسوله: (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ (ويقول: (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانهمْ (فيرى الله الصادق من الكاذب، وتقوم بذلك أسواق الحق، فيفرح الله تعالى، ويتحقق مقصده ? في هذا الوجود بوجود الشهداء كما قال سبحانه: (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء (، وبوجود المنافقين: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (، وهكذا تسري معاني الإيمان رافعة حجب الجهالة بأن الوجود الإنساني للأكل والشرب ثم: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ (.
وهؤلاء الذين لا يرون للإيمان أثرًا إلا في عمارة الدنيا فقط، فهو عندهم الذي يؤاخي بين المؤمن والكافر، وهو الذي يجمع البشرية بكل تناقضاتها في صعيد واحد، وهو أنهم بشر، فالإنسانية هي التي تجمعهم، وأما النزاع والتدافع فلا يكون إلا على حقوق الدنيا فقط، لا على حقوق الله والآخرة، فهؤلاء هم الجاهلون، وهم الكاذبون على الله، والكاذبون على يوم القيامة، لأنهم جعلوا لله مثل السوء كما قال تعالى عنهم: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى (، فالله لا يجوز عندهم أن يتنازع الناس فيه حتى لو كفر به كافر، أو سبه ساب، أو رد على رسله، أو كذب بكتبه، لكن درهم مال لأحدهم يستحق أن يقيم له الحروب، وأن يصطف الناس من أجله لسفك الدماء وإزهاق الأرواح، ويأتي الجاهل الأفاك من هؤلاء ليقول مستدلًا بمقالته بمقالة كافر وهو عبد المطلب:"أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه"، فيجعل دين الجاهلية حاكمًا على دين مُحَمَّد (الذي لم يكن ينتصر لنفسه في شيء، بل كان غضبه وفرحه وحربه وسلمه لله تعالى.